ولم يزل على ذلك حتى جاءت الأخبار من البلاد الشامية بأن النواب جميعا خامروا وخرجوا عن الطاعة. فلما تحقق الأتابكي أينبك ذلك علق من يومه الجاليش السلطاني على الطبلخانات، وعين الأمراء والعسكر إلى التجريدة نحو بلاد الشام. ثم أنه عرض العسكر وأنفق عليهم، وخرج مسرعا على جرد الخيل، وأخذ معه السلطان الملك المنصور عليا في محفة، وخرج في تاسع عشر ربيع الأول من السنة المذكورة وتوجه إلى هناك.
ومن الحوادث في هذه السنة أن في السابع والعشرين من تموز من الشهور الرومية، أظلم الجو، وأمطرت السماء مطرا شديدا برعد وبرق حتى سال المطر كالغدران. ولما أراد السلطان أن يخرج إلى التجريدة فصل الخليفة زكريا من الخلافة، وولى محمدا المتوكل كما كان أولا، وأخذه معه في التجريدة، فكانت مدة الخليفة زكريا في الخلافة عشرين يوما لا غير، وأعيد المتوكل إلى الخلافة كما كان. فكانت خلافة زكريا كسنة من النوم، أو يوم أو بعض يوم.
فلما رحل السلطان من القاهرة ووصل إلى بلبيس رجع إلى القاهرة على حين غفلة، وكان سبب ذلك أن الأمير قطلوفجاه - أخا الأتابكي أينبك البدري - كان في الجاليش قدام العسكر، فبلغه أن جماعة من المماليك السلطانية قصدوا أن يكبسوا عليه ليقتلوه، فهرب تحت الليل هو وثلاثة من الأمراء ودخلوا إلى القاهرة، فلما تحقق أينبك ذلك، وأن العسكر قد انقلبوا عليه، أخذ السلطان الملك المنصور عليا ورجع إلى القاهرة فطلع السلطان إلى القلعة وقد ماجت المدينة وكثر القال والقيل بين الناس.
فلما كان يوم الاثنين ثالث ربيع الآخر من السنة المذكورة رجع الأمراء والعسكر الذين كانوا صحبة السلطان فدخلوا الريدانية، وهم على حمية، فلبسوا آلة الحرب من وقتهم واجتمعوا في سوق الخيل. وكان العسكر جميعهم مقلوبا على الأتابكي أينبك البدري. فلما تحقق أينبك أن الركبة عليه، نزل من القلعة هو وجماعة من الأمراء والمماليك السلطانية فوقعوا مع العسكر الذين في الرميلة، فكان بينهم واقعة عظيمة حتى جرى الدم مثل الماء، فانكسر الأمير قطلو فجاه أخوه الأتابكي أينبك، وقبضوا عليه. فلما رأى الأتابكي أينبك ذلك ساق فرسه وهرب من باب القرافة وتوجه إلى نحو الكيمان التي بمصر العتيقة، فساق خلفه الأمير أيدمر الخطائي مع جماعة من الأمراء والمماليك السلطانية فأدركه، فنزل عن فرسه ورمى ملابسه بين الكيمان وهرب وهو ماش فاختفى هناك.
فلما هرب أينبك طلع الأمراء إلى باب السلسلة، وصار المتحدث يومئذ في أمور المملكة المقر السيفي قطلقتمر العلائي الطويل، فملك باب السلسلة وأقام بها، فاجتمع