فلما ملك تمرلنك مدينة حلب والقلعة نهب جميع ما في المدينة والقلعة ثم أن تمرلنك أقام على حلب نحو شهر ثم رحل عنها بعد ما جعلها خاوية على عروشها، وقد تعطلت في مدة هذه المحاصرة عن الأذان والإقامة وعن صلاة الجمعة.
ومما يحكى عن أخبار عسكر تمرلنك فيما فعلوه بعسكر حلب، قيل كانوا يطئون الأبكار في محراب المساجد وآباؤهن يشاهدون ذلك بعينهم. ولقد حكى من أسر معهم من حين استولوا على حلب إلى حين رحلوا عنها لم يسمع في عسكرهم أذان، وأنهم يجامعون النساء في المحيض، ولا يعاودون الوطء إلا بعد اغتسال - ولو كان في قلب الشتاء - بالماء البارد، وقيل إن تمرلنك كان يحتجب عن عسكره نحو أسبوعين فلا يجتمع على أحد من عسكره، وينعكف على شرب الخمور. ففي مدة انعكافه تنهب عساكره البلاد، ويفسقون في أهلها، فلم يجدوا من يمنعهم عن ذلك ولا يردهم، فيستمروا على ذلك.
ولما كان يوم السبت خامس عشرى ربيع الأول من سنة ثلاث وثمانمائة، حضر مملوك بكلمش العلائي وأخبر بما قد جرى من تمرلنك، وبما وقع في حلب، وبما جرى على النواب … فعند ذلك اضطربت أحوال الديار المصرية مما جرى في البلاد الشامية، فعين السلطان في يومه الأمير سودون بن زاده، والأمير اينال حطب رأس نوبة ثاني، فتوجهوا إلى السفر من يومهم لكشف الأخبار عن صحة ذلك.
ثم جاءت الأخبار عقيب ذلك بأن تمرلنك لما أن رحل عن حلب إلى حماه فعل باهلها كما فعل بأهل حلب من القتل والنهب كما تقدم من أفعاله الشنيعة.
ثم حضر نجاب من عند نائب الشام وأخبر بأن جاليش تمرلنك قد وصل إلى الشام عند جبل الثلج، فلما تحقق السلطان ذلك علق الجاليش ونادى للعسكر بالعرض فعرض وأنفق على العسكر، وبرز خيامه إلى الريدانية، فاضطربت في ذاك الوقت أحوال الديار المصرية، وماجت القاهرة بأهلها، فكان كما قيل في المعنى:
كم لي أنبه مقلة من نائم … لم يهد غير سروره الأحلام
فكأنه إذا جئته مستصرخا … طفل يحرك مهده فينام
قيل لما علق السلطان الجاليش بسبب خروجه إلى تمرلنك ركب شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني والقضاة الأربعة وحاجب الحجاب ووالي القاهرة ونادوا في الشوارع بأن النفير عام بسبب قتال تمرلنك، فاضطربت أحوال القاهرة في ذلك اليوم جدا.