ثم أن السلطان دخل إلى دمشق في يوم الخميس سادس جمادى الأولى، ونزل بالميدان الكبير، وجلس بالقصر الأبلق، وحكم بين الناس، وصلى الجمعة بدمشق، ثم برز خيامه إلى قبة يلبغا، فلما كان وقت الظهر جاء جاليش تمرلنك من تحت جبل الثلج - وكانوا نحو ألف فارس - فبرز إليهم جاليش السلطان - وكانوا نحوا من مائة فارس - فأوقعوا مع عسكر تمرلنك واقعة قوية، فانكسر جاليش تمرلنك وولوا مدبرين.
ثم في تلك الليلة جاء جماعة من أمراء تمرلنك ومن عسكره ودخلوا تحت طاعة السلطان، وأخبروا بأن ولد تمرلنك كان في الجاليش فقتل وكذلك صهره، وقد حصل لتمرلنك على ولده غاية الحزن … فخلع السلطان على أمراء تمرلنك وأنزلهم بدمشق.
ثم حضر عند السلطان الأمير نعير بن حيار أمير آل فضل وجمع من العربان ما لا يحصى عددهم من عربان حارثة وغير ذلك من القبائل.
ثم بلغ السلطان بأن عسكر تمرلنك قد تغلبوا عليه، ومات من عسكره جماعة كثيرة تزيد عن خمسة آلاف إنسان من الثلج الذي ينزل من الجبل. وصار يحضر إلى السلطان في كل يوم جماعة من عسكر تمرلنك ويدخلون تحت الطاعة، والتف على السلطان جماعة كثيرة من العربان وغيرهم حتى قيل أنه تكامل عنده نحو اثنى عشر ألف إنسان خارجا عن عسكر مصر. وكانت طوالع الملك الناصر في مبتداها سعيدة، والنصر لائح عليه، ولكن كما قيل في المعنى:
يريد المرء أن يعطي مناه … ويأبى الله إلا ما أرادا
فلما كان يوم الخميس خامس جمادى الآخرة من السنة المذكورة حضر السلطان الملك الناصر فرج إلى الديار المصرية على حين غفلة، وطلع إلى القلعة، وحضر صحبته الخليفة المتوكل، وجماعة من النواب وهم: نائب الشام، ونائب صفد، ونائب غزة، وغالب أمراء دمشق. وحضر مع السلطان من العسكر نحو ألف مملوك، وحضر مع كل أمير مملوكان من مماليكهم وليس معهم برك ولا خيول ولا قماش، وكان سبب حضور السلطان على هذا الوجه أن عسكر السلطان بعد أن أوقع مع عسكر تمرلنك مرتين وهو ينكسر، أرسل تمرلنك يطلب من السلطان الصلح، وأرسل إلى السلطان أميرا من أمرائه يقال له الأمير حسين، وأرسل معه ابن بنته بمشون بينه وبين السلطان في أمر الصلح، فلما أن حضروا إلى السلطان خلع عليهم وأحسن إليهم، وأرسل تمرلنك يسأل السلطان أن يطلق له قريبه أطلمش الذي أسر في أيام الملك الظاهر برقوق كما تقدم، وأن تمرلنك يطلق من عنده من الأسرى جميعهم، وصارت الرسل تتردد بين السلطان وبين تمرلنك مرارا عديدة، وآخر ذلك كان ليلة الجمعة رابع عشر جمادي الآخرة، فأقام رسل تمرلنك عند