من العلماء والفقهار وقضاة دمشق وأعيان دمشق من التجار وغيرها، وأسروا جماعة كثيرة من عسكر مصر وأمرائها وقضاتها وغير ذلك. وكان من أسره تمرلنك من النواب المقر السيفي دمرداش نائب حلب، والمقر السيفي سودون قريب المقام الشريف نائب الشام، والمقر السيفي شيخ المحمودي نائب طرابلس، والمقر السيفي دقماق المحمدي نائب حماه، وأسر من العساكر الحلبية والشامية ومن أمرائهم ما لا يحصى عددهم، فقيدهم وزنجرهم وساقهم قدامه.
وقيل أنه لما توجه إلى بلاد ابن عثمان حاصرها وانكسر ابن عثمان - وهو بايزيد بن مراد. فلما أسره جعله في قفص من حديد وبقي يعجب عليه في البلاد التي يدخلها.
وأسر جماعة من ملوك الهند، وأخرب بلاد الشرق ونهب ما بها.
فلما كان يوم الخميس مستهل شهر شعبان أمر تمرلنك باحراق مدينة دمشق، فأضرم بها النار حتى صارت ترمى بشرر كالقصر، كأنه جمالات صفر. وأحرقوا جامع بني أمية حتى بقي جدارا قائما بغير سقوف ولا أبواب ولا رخام، وأحرقوا غالب جوامع دمشق ومساجدها، وأحرقوا الأسواق التي بها والقياسر بعد ما نهبوا ما فيها، وأحرقوا غالب حاراتها التي صارت لا تعرف، كما قيل في المعنى:
وأمر بالأوطان والسكن الذي … قد كنت أعهده بخير وافر
لم ألق غير البوم فيها ساكنا … تبا له من طير نحس واكر
وقد أصبحت دمشق، بعد البهجة والسرور، والنضرة والحبور، أطلالا بالية، ورسوما خالية، قد خوت على عروشها، وأقفرت من زخرفها ونقوشها، لا نرى بها دابة تدب، ولا حيوانا يهب، سوى جثث قد احترقت، وصور في الثرى قد تعفرت، وقد صارت تكسى من الذباب ثوبا، ومغنما للكلاب ونهبا، لا يستهدى اللبيب فيها إلى داره، ولا يفطن الذكي إلى محل سكنه من مزاره … فانا لله وانا إليه راجعون لعظم هذه المصائب، وشناعة هذه النوائب. فلم توقظنا حوادث الأيام، ونحن في ليل الغفلة نيام، فلا نعتبر بما جرى للأنام، ولا نرجع عن ذنوبنا والآثام. وقد قال القائل في المعنى:
ان ترمك الأقدار في أزمة … أوجبها أجرامك السالفة
فادع إلى ربك في كشفها … ليس لها من دونه كاشفه