وقد هلك في هذه النازلة من الناس ما لا يحصى عددهم، فجماعة بالقتل وأنواع العذاب، وجماعة بالجوع والعطش في مدة هذه المحاصرة لعدم الأقوات، فكانت هذه الفتنة من أعظم فتن قرن الثمانمائة.
روى في بعض الأخبار عن موسى ﵊ أنه قال: "يا رب … أنت في السماء ونحن في الأرض، فما علامة غضبك من رضاك؟ ". .. فأوحى الله تعالى إليه: "يا موسى … إذا استعملت عليكم خياركم فهي علامة رضائي، وإذا استعملت عليكم شراركم فهي علامة سخطى. فلا تشتغلوا بسب الملوك، وتوبوا إلى أعطف عليكم قلوب الملوك". ..
فلما كان يوم الجمعة ثاني شهر شعبان، رحل تمرلنك عن دمشق بعد ما فعل الذي فعله، فأخذ عسكره وخرج من دمشق بعد ما فعل الذي فعله، فأخذ عسكره وخرج من دمشق، وكانت مدة اقامته بدمشق إلى أن رحل عنها نحو ثمانين يوما.
قيل إن تمرلنك لما أراد أني رحل عن دمشق جمعوا له أطفال المدينة الذين أسر أهلهم، فكانوا ما بين ابن خمس سنين إلى شهر وشهرين، فركب تمرلنك وأتى إلى ذلك المكان الذي هم به خارجا عن المدينة، فلما أتى إليهم وقف ساعة وهو ينظر إليهم ويتأملهم، ثم قال للعسكر: "سوقوا عليهم بالخيل". .. فساقوا بالخيل فماتوا أجمعين، وكانوا نحو عشرة آلاف طفل. فلما رجع لامه أمراؤه على ذلك فقال: "ما نزل على قلبي فيهم رحمة". فكان تمرلنك يقول: "أنا غضب الله في أرضه، يسلطني على من يشاء من خلقه". فكان حال الأطفال مع تمرلنك كما قيل في المعنى:
وجرم جره سفهاء قوم … فحل بغير جانبه العذاب
ولما رحل تمرلنك عن دمشق صار من بقي فيها من عسكر السلطان ومن أهلها يجتمعون ويترافقون ويخرجون من دمشق إلى الديار المصرية، فيخرج عليهم العربان والعشير وينهبون ما معهم ويعرونهم ولم يتركوا لهم غير اللباس في وسطهم، فجرى عليهم من العربان والعشير ما لم يجر عليهم من عسكر تمرلنك، فكان أكثرهم ينزل من البحر المالح ويجئ من جهة دمياط فيدخلون إلى مصر وهم في أنحس حال، وقد ذهبت حرمة المملكة، ولم يبق للسلطان قيمة ولا للترك حرمة. فعزم السلطان الناصر على العودة إلى دمشق ثانيا ويوقع مع تمرلنك مرة أخرى. ثم حضر الطنبغا العنبري وأخبر الملك الناصر بأن تمرلنك رحل عن دمشق وهو مريض، وقد طلعت له حمرة في جسده وقد تألم لها، فلما تحقق السلطان ذلك أبطل أمر التجريدة ولطف الله تعالى بالناس كما قيل في المعنى: