فلما طلعوا عند السلطان ضربوا مشورة في ذلك فأشار الأمراء على السلطان بأن يرسل لهم أمانا، فأرسل إليهم السلطان بعض الأمراء، فلما اجتمع بهم قالوا له: "أما السلطان فأستاذنا وابن أستاذنا. ولكن لنا غرماء يسلمهم لنا، وهم: يشبك الشعباني، وأقباي، وقطلوبغا الكركي". .. فلما عاد هذا الجواب إلى السلطان أرسل إليهم قاضي القضاة الشافعي ناصر الدين الصالحي والأمير ناصر الدين ابن الرماح لكي يمشوا بين الأمراء بالصلح. فلما توجه إليهم القاضي تلطف معهم في القول فأبوا من الصلح وقالوا: "لا بد لنا من غرمائنا". .. فرجع قاضي القضاة برد الجواب بالمنع من الصلح. فلما سمع الملك الناصر بذلك قال للأمير يشبك الشعباني: "انفصل أنت وغرماؤك". .. فنزل الأمير يشبك من عند السلطان إلى بيته فأقام به ساعة ثم عاد وطلع إلى السلطان، فلم يمكنوه من الدخول عليه ومنه من ذلك، فنزل من القلعة ووقف بسوق الخيل ساعة، فلم يشعر إلا والأمراء قد أتوا من باب القرافة في عسكر عظيم، فجاءوا إلى سبيل المؤمنين فوقفوا هناك، واستمر يشبك الشعباني واقفا هو ومماليكه في سوق الخيل. ثم أنه نادى المماليك السلطانية بأن كل مملوك قاتل معه ينعم عليه بعشرة آلاف درهم وفرس، فاجتمع عنده بعض مماليك سلطانية، فلما بلغ السلطان ذلك أرسل إليهم جماعة من رءوس النوب فضربوهم وشتتوهم من عند يشبك، فلما رأى يشبك عين الغلب هرب من سوق الخيل.
فلما هرب نهب العوام بيته وبيت قطلوبغا الكركي وبيت أقباي الكركي، ثم بعد ساعة أمسك الأمير أقباي المذكور والأمير قطلوبغا الكركي والأمير جركس القاسمي المصارع، فقيدوا وأرسلوا إلى السجن بثغر الاسكندرية، وأما الأمير يشبك الشعباني فلم يعلم له خبر، ثم بعد أيام غمز عليه فأمسك من تربة خوند سمرا التي تجاه باب جامع قوصون الذي هو خارج باب القارفة. قيل لما دخل عليه حاجب الحجاب ليمسكه رمى نفسه من حائط علا فوقع على وجهه فانقطع حاجبه فأحضروا له مزينا فخيط له ذلك الجرح ثم قيده وأرسله إلى السجن بثغر الاسكندرية، وكان المتسفر عليه الأمير سودون الجلب.
فلم سكنت هذه الحركة عمل السلطان الموكب وخلع على من يذكر من الأمراء وهم:
المقر السيفي جكم العوضي واستقر به دوادارا كبيرا عوضا عن يشبك الشعباني، وخلع على المقر السيفي يونس الحافظي واستقر به نائب حماه، وخلع على المقر السيفي سودون زاده واستقر به خازندار كبيرا مقدم ألف، وخلع على المقر السيفي أرغون بن يشبغا واستقر به شاد الشربخانات. وأنعم في ذلك اليوم على المقر السيفي سودون الناصري المعروف بالطيار بتقدمة ألف، وأنعم على المقر السيفي تمربغا ابن باشاه بتقدمة ألف.