فلما كان يوم الثلاثاء ثامن ذي الحجة سنة سبع وستين وثمانمائة طلع الأمير جاني بك نائب جدة إلى القلعة على جاري العادة، وكان معه الأمير تنم رصاص المحتسب، وكان السلطان قرر مع جاني بك أنه في ذلك اليوم يمسك الأمير قانم التاجر والأمير قايتباي المحمودي المؤيدي، فطلع في ذلك اليوم بدري، وكانت المعمولية والطبخة له كما قيل في المعنى:
وكم من طالب يسعى لشيء … وفيه هلاكه لو كان يدري
فلما طلع إلى القلعة ودخل من بابها، ووصل إلى الجامع، خرج إليه كمين من المماليك الأجلاب من مماليك الظاهر خشقدم فقتلوه هناك هو والأمير تنم رصاص، ورموا على رءوسهما فص حجر بعد أن طعنوهما بالرماح حتى وقعا إلى الأرض موتى. فلما أصبح الصباح غسلوهما وكفنوهما وصلوا عليهما بالقلعة ونزلوا بهما، فدفن الأمير جاني بك في تربته التي أنشأها خارجا من باب القرافة. فلما سمع مماليكه لبسوا آلة الحرب وطلعوا إلى الرميلة، فرموا عليهم بالنشاب من باب السلسلة فولوا مدبرين، وراحت على من راحت، ولم تنتطح في ذلك شاتان.
وكان الأمير جاني بك نائب جدة أميرا عظيما، صاحب حرمة وافرة، وكلمة نافذة، وكان صاحب حيل وخداع، وهو الذي رتب للملك الظاهر خشقدم في مسك الأمراء الأشرفية ورجوع جانم نائب الشام إلى الشام بعدما ترشح أمره إلى السلطنة، فكان حال جاني بك مع الظاهر خشقدم كما قيل في المعنى:
أعلمه الرماية كل يوم … فلما اشتدّ ساعده رماني
وكان الأمير جاني بك مولعا بغرس الأشجار، وأنشأ عدة غيطان بالمنشية، وهي منشية المهراني. وكان كثير التنزه. وكانت صفته أخضر اللون، قصير القامة جدا مستدير اللحية، شائب الذقن، عارفا بأحوال المملكة، فصيح اللسان بالعربي، أصله من مماليك أسنبغا الطياري وقدمه إلى الملك الظاهر جقمق، فهو معتوق الملك الظاهر جقمق من جملة مماليكه.
سنة تسع وستين وثمانمائة (١٤٦٤/ ١٤٦٥ م):
فيها خلع السلطان على خشداشيه الأمير يشبك الفقيه واستقر به دوادارا كبيرا عوضا عن الأمير جاني بك نائب جدة.