وفيها أنعم السلطان على خشداشيه الأمير جاني بك كوهيه بتقدمة ألف، وخلع على مملوكه الأمير خير بك واستقر به دوادارا ثانيا عوضا عن جاني بك كوهيه.
وفيها أنعم السلطان على سبطه المقر الشهابي احمد ابن العيني بتقدمة ألف وقرره في أمرية الحاج وقرر في أمرية الركب الشرفي يحيى ابن الأمير يشبك الفقيه.
وفيه اختفى زين الدين الاستادار، فصرف السلطان مجد الدين بن البقري من الوزارة وقرره في الاستدارية، واستمرت الوزارة شاغرة أياما حتى خلع السلطان على الشمس محمد البباوي ناظر الدولة وقرره في الوزارة عوضا عن ابن البقري. فلما قرر البباوي في الوزارة عد ذلك من مساوى خشقدم، وقالت الناس: "الزفر تولى الوزارة بمصر". ..
ومن يومئذ انحط قدر الوزارة جدا، وتبهدل هذا المنصب إلى الغاية.
قال الإمام أبو شامه المؤرخ: "كانت الوزارة على عهد الخلفاء وظيفة عظيمة جليلة، وكان الوزير يجلس بحضرة الخلفاء على مقدار خمسة أذرع، وكان هو المتصرف في أمر المملكة بما يختار. فلما جاءت دولة الأتراك قدموا نيابة السلطنة على الوزارة، فتلاشى أمر الوزارة من يومئذ، وصارت الوزارة تنقسم إلى أربع جهات، منها كتابة السر، والاستادارية، ونظر الخاص، وشاد الدواوين. وكانت خلعة الوزارة في قديم الزمان عمامة بيضاء برقمات ذهب شغل تنيس، وطيلسان أبيض برقمات ذهب، وجبة صوف بيضاء بطرز ذهب، وفي عنقه عقد جوهر بعشرة آلاف دينار، وسيف مقلد به مسقط بالذهب، ويركب حجرة بخمسمائة دينار، وفي قوائمها أربع جوهرات، وفي عنقها جوهرة كبيرة بألف دينار، وترفع على رأسه أعلام بيض، ويحمل على رأسه منشور الولاية وهو مكتوب في حرير أبيض، فبطل ذلك كله". ..
فلما تولى البباوي شق ذلك على الناس لكونه لم يكن من أهل ذلك. وكان البباوي طباخا، وكان أميا لا يقرأ ولا يكتب، وفي كلامه غرتلة. وكان أسود اللحية، عنده عترسة ويبس، وكان أصله معاملا في اللحم من جملة المعاملين، ولكن وعده الله بذلك من القدم.
وفيه يقول بعض الشعراء:
قالوا البباوي قد وزر … فقلت كلا لا وزر
الدهر كالدولاب لا … يدور إلا بالبقر
وقال آخر:
تجنب العلم والفضائل … ومل إلى الجهل ميل هائم