معناه الاصطلاحي مجاز في غيره كما هو مقرر في محله، ولا ينظر إلى ما يوهمه تعبيره في أبيات في التائية من القول بالحلول والاتحاد، فانه ليس من ذلك في شيء بقرينتي حاله ومقاله المنظوم في تائيته بقوله من أبيات القصيدة:
ولى من أتم الرؤيتين اشارة … تنزه عن رأي الحلول عقيدتي
"وهذا يصدر عن العارف بالله إذا استغرق في بحر التوحيد والعرفان بحيث تضمحل ذاته في ذاته، وصفاته في صفاته، ويغيب عن كل ما سواه بعبارات تشعر بالحلول والاتحاد لقصور العبارة عن بيان حالته التي يرقى إليها كما قاله جماعة من علماء الكلام رضي الله تعالى عنهم. ولكن ينبغي كتم تلك العبارات عمن لم يدركها فما كل قلب يصلح للسر، ولا كل صدف ينطبق على الدر، ولكل قوم مقال، وما كل ما يعلم يقال. وحق لمن لم يدركها عدم الطعن فيها كما قيل:
وإذا كنت بالمدارك غرا … ثم أبصرت حاذقا لا تمارى
وإذا لم تر الهلال فسلم … لأناس رأواه بالأبصار
ولو ذاق المنكر ما ذاق هذا العارف لما أنكر عليه، كما قال القائل:
ولو يذوق عاذلي صبابتي … صبا معي لكنه ما ذاقها
"والحالة هذه، والله يمنح بفضله، ويمنع من يشاء بعدله، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وكتبه زكريا بن محمد الأنصاري الشافعي".
فلما كتب الشيخ زكريا على هذا السؤال سكن الاضطراب الذي كان بين الناس بسبب ابن الفارض رضي الله تعالى عنه، ونفع به وببركاته المسلمين أجمع آمين.
وفيه عقيب ذلك عزل ابن الشحنة عن قضاء الحنفية، وحصل له عقيب ذلك فالج، وذهل وسلب من العلم، وحصل لولده عبد البر مع القلقيلي ما سنذكره في موضعه.
وأما البقاعي فكادت العوام أن تقتله، وحصل له من الأمراء ما لا خير فيه، فهرب واختفى حتى توجه إلى مكة فمات هناك.
وأما امام المدرسة الكاملية فخرج وهو مريض إلى الحجاز فمات في أثناء الطريق بعد خروجه من القاهرة بستة أيام.