وفيه ثار جماعة من المماليك الجلبان ونزلوا إلى جهة بولاق فنهبوا ما فيها. ثم قصدوا شونة الأمير يشبك الدوادار، فنهبوا ما فيها، وصاروا يأخذون جمال السقايين، ويحملونها ما نهبوه من الشعير. فلما تزايد الأمير منهم نزل السلطان وهو سائق، ومعه مقدم المماليك، ولكن ما نزل إلا بعد ذوات الأمر. وحصل منهم في ذلك اليوم غاية الضرر للناس، من نهب وخطف بضائع الناس، وغير ذلك. فبات السلطان تلك الليلة في جامع زين الدين الأستادار الذي ببولاق، فأضافه تلك الليلة بعض قضاة بولاق، وهو القاضي تقي الدين البرماوي أمام الجامع المذكور وخطيبه، ضيافة حافلة، فشكر له السلطان ذلك.
*****
وفي ذي الحجة قصد جماعة من المماليك الجلبان الاخراق بالأمير يشبك الدوادار، وقصدوا قتله، ففر منهم، وتوجه إلى نواحي الجيزة حتى تخمد الفتنة. فاستمر غائبا نحو من خمسة عشر يوما ففي هذه المدة كثر القال والقيل بين الناس. وامتنع الأمراء من الصعود إلى القلعة والسلطان مقيم بالدهيشة، كالغضبان من مماليكه، والأبواب مغلقة عليه.
فطلع الأتابكي أزبك، وأزبك اليوسفي، وتمر حاجب الحجاب، وكاتب السر، وشرف الدين الأنصاري، وآخرون من الأمراء … على أنهم يتلطفون بالسلطان، ويمشون بينه وبين مماليكه بالصلح. فامتنع السلطان من ذلك، وصمم على عدم الصلح مع المماليك. ثم خرج إلى الحوش وجلس على الدكة، وطلب من كان رأس الفتنة في هذه الحركة، وهو شخص من المماليك يعرف بالأقطشن فأمر بتوسيطه فجردوه من ثيابه في الحال، فشفع فيه الأمراء فما أجاب إلا بعد جهد كبير، ثم ضرب ذلك المملوك فوق ألف عصا، وسجنه بالبرج. وهذا كله جرى والأمير يشبك غائب في الجيزة لم يحضر إلا بعد أيام، حتى سكنت هذه الفتنة.
وفيه حضر الملك المنصور عثمان بن الظاهر جقمق بطلب من السلطان - وهذه ثاني مرة حضرها إلى القاهرة - فلما حضر أكرمه السلطان، وخلع عليه، ونزل في دار الأتابكي أزبك عند أخته، ثم أمره بالصعود إلى القلعة لضرب الكرة مع الأمراء، وعومل معاملة السلاطين في ارخاء البند الأصقر، وتغيير الفرس في مكان يغير فيه السلطان فرسه، حتى عد ذلك من النوادر التي ما وقعت قط. وأقام الملك المنصور بالقاهرة نحو شهرين حتى عاد إلى دمياط. وكان في غاية العز والاكرام، ووقع له أمور ما وقعت لاحد من أبناء الملوك قبله. وكان حضوره الأول بسبب الحج، وهذه المرة بسبب زيارة السلطان.