فَلَمَّا بَلَغْتُ عُلِّيَّةَ الْقَصْرِ أَلْفَيْتُهَا (¬١) مُظْلِمَةً، وَوَجَدْتُهُ مُضَّجِعًا بَيْنَ أَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ، فَلَمْ أَعْلَمْ أَيْنَ مَكَانَهُ بَيْنَهُمْ …
فَخَشِيتُ إِنْ ضَرَبْتُهُ عَلَى الظِّنَّةِ أَنْ أُصِيبَ غَيْرَهُ؛ فَأُخَالِفَ وَصِيَّةَ الرَّسُولِ ﵊ بِأَلَّا نَقْتُلَ امْرَأَةً وَلَا وَلِيدًا، وَأُعَرِّضَ نَفْسِي لِلْهَلَاكِ دُونَ طَائِلٍ …
فَبَادَرْتُ وَنَاديتُهُ بِكُنْيَتِهِ الَّتِي كَانَ يُنَادِيهِ بِهَا خَوَاصُّهُ؛ فَقُلْتُ: أَبَا رَافِعَ …
فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟!.
فَعَرَفْتُ مَكَانَهُ … وَأَهْوَيْتُ بِسَيْفِي عَلَى مَوْضِعِ الصَّوْتِ، وَكُنْتُ مُضْطَرِبًا؛ فَلَمْ تَفْعَلْ ضَرْبَتِي فِيهِ شَيْئًا.
فَصَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ … فَخَرَجْتُ مِنَ الْحُجْرَةِ، وَعَثَرْتُ بِالْمِصْبَاحِ؛ فَأَخَذْتُهُ بِيَدِي وَطَرَحْتُهُ بَعِيدًا عَنْ مَوْضِعِهِ؛ حَتَّى لَا يَقُومَ إِلَيْهِ أَحَدٌ فَيُضِيئَهُ.
ثُمَّ عُدْتُ إِلَيْهِ وَغَيَّرْتُ صَوْتِي وَقُلْتُ: مَا هَذَا الصِّيَاحُ يَا أَبَا رَافِعَ؟!.
فَقَالَ: لِأُمِّكَ الْوَيْلُ … إِنَّ فِي الْبَيْتِ رَجُلًا ضَرَبَنِي بِالسَّيْفِ وَتَوَارَى.
فَاقْتَرَبْتُ مِنْهُ، وَأَهْوَيْتُ عَلَيْهِ بِضَرْبَةٍ أَثْبَتَ مِنْ تِلْكَ وَأَحْكَمَ …
فَأَثْرَتْ فِيهِ أَثَرًا بَلِيغًا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَمُتْ.
فَأَغْمَدْتُ (¬٢) سَيْفِي فِي بَطْنِهِ وَضَغَطْتُ عَلَيْهِ بِثِقَلِي كُلِّهِ؛ فَصَرَخَ صَرْخَةً أَيْقَظَتْ زَوْجَتَهُ … فَانْتَزَعْتُ سَيْفِي مِنْ جَسَدِهِ وَلَمْ يَكُنْ بِهِ حَرَاكٌ.
* * *