فأما ما ذكروه فإنما حمل على البعض لقرينة، وهو أن القصد من مسح رأس اليتيم الحنو والشفقة، والمسح بالمنديل قصده تنشيف يده، والقصد من أخذه بقميص فلان إمساكه والتلبب (¬١) به، وكذا في قولهم: أخذت بزمام الناقة؛ قصده أن يقودها، بخلاف مسألتنا فإن القصد مسح الرأس الحقيقي، يدل عليه أنه لو أسقط الناس جميع ذلك فقال: مسح رأس اليتيم، وأخذ زمام الناقة، عقل ما ذكرناه.
فإن قيل: فأي فائدة في إدخال الباء في قوله ـ تعالى ـ: ﴿بِرُؤُوسِكُمْ﴾ (¬٢).
قلنا: فائدتها ما ذكرنا من الخفض، وتحسين الكلام، أو الإلصاق فكأنه/ أمر أن يلصق المسح بالرأس، فعلى هذا يجب أن يعم ما يسمَّى رأساً حقيقة، ولا يعدل عنه.
جواب آخر: أنه لو أريد بالرأس البعض لما حسُن تأكيده بألفاظ الاستغراق، ومعلوم أنه يحسن أن تقول: امسح برأسك كله، وجميعه، ولو قال: امسح ببعض رأسك كله، أو جميعه، لكان عيّاً، ولُكنة (¬٣)، وقبحاً في القول.
جواب آخر: لو لم يرد الجميع لما حسن الاستثناء، فتقول: امسح برأسك إلا ثلثه، إلا ربعه، إلا الناصية، إلا اليافوخ، كما لا يحسن أن تقول: امسح بعض رأسك إلا ثلثه، إلا ربعه.
فإن قيل: إنما حسن الاستثناء والتأكيد؛ لأن اسم الرأس يصلح للجميع، فمتى استثنى أو أكد علمنا أنه أراد الجميع، ومتى خلا من ذلك جاز حمله على البعض لما ذكرنا.