وَلَا يُتْرَكُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا. قَالَ ﵁: وَهَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى السُّنَّةِ، وَالأَوَّلُ عَلَى الوُجُوبِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَجْهُ الأَوَّلِ مُوَاظَبَةُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهَا، وَوَجْهُ الثَّانِي قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ الأَعْرَابِي عَقِيبَ سُؤَالِهِ قَالَ: «هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ فَقَالَ: لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» وَالأَوَّلُ أَصَحُ، وَتَسْمِيَتُهُ سُنَّةٌ لِوُجُوبِهِ بِالسُّنَّةِ.
وذلك في صلاة الجماعة أكثر، وإنما حملناه على ذلك توفيقا بين الروايتين، وهذا الحمل أولى من العكس، بقرينة قوله: (ولا يترك واحد منهما)؛ لأن مثل ذلك الكلام في الرواية يذكر في الواجب غالبًا (¬١).
فإن قيل: كيف قال: (ولا يترك واحد منهما)، ومعلوم أن الجمعة فرض عين، وفرائض الأعيان لا تترك؟
قلنا: احترز به عن قول عطاء؛ حيث تجوز بصلاة العيد عن الجمعة عنده، ومثله عن علي، وابن الزبير. قال ابن عبد البر: سقوط الجمعة بالعيد قول مهجور (¬٢)، وتأويل ما روي عن علي؛ أن ذلك في حق أهل البادية، ومن لا تجب عليه الجمعة.
(لوجوبه)؛ أي: لثبوته بالسنة؛ إطلاقًا لاسم السبب على المسبب.
وجه الأول: أي: الوجوب: مواظبة النبي ﵊ من غير ترك؛ إذ نفس المواظبة لا تدل على الوجوب؛ ولهذا ذكر في بعض النسخ: من غير ترك.
واستدل في الإيضاح بقوله: وإنما تقام على سبيل إظهار شعائر الإسلام بالجماعة في أعظم الجمع، وهي ملحقة بالجمعة في اعتبار شرائطها إلا الخطبة، فيلحق بها في صفة الوجوب (¬٣).
فإن قيل: يلزم عليه الأذان والإقامة في سائر الصلوات، فإنها من الشعائر، وتقام على سبيل الإظهار مع أنها سنة.