بعد ذي الرئاستين، وقد رأيت أن أستوزرك، فقال: يا أمير المؤمنين اجعل بيني وبين العامة منزلة يتأملها صديقي، ويرجوها ويخافها عدوّي، ويحذرها، ولا يقال أبلغ العامة، وليس إلا الانحطاط، فاستحسن ذلك منه واستوزره.
قال أحمد بن خالد: لما قدمنا من خراسان مع المأمون، وكنا بعقبة حلوان، كنت فقال لي: يا أحمد إني لأجد رائحة العراق، فأجبته بغير جوابه، فقال: ما هذا جوابي، ولكنّي أحسبك مفكّرًا؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فيم فكرت؟ قال: في هجومنا على بغداد، وليس معنا إلا خمسين ألف درهم مع فتنة قد غلبت على قلوب الناس، كيف يكون حالنا إن هاج هيج، أو تحرك متحرك؟ فأطرق مليًا، ثم قال: صدقت يا أحمد ما أحسن ما فكرت!، ولكني أخبرك أنَّ الناس في هذه المدينة ثلاث طبقات: ظالم، ومظلوم، ولا ظالم ولا مظلوم. فأما الظالم فليس يتوقع إلا عتابنا، وأما المظلوم، فليس يتوقع إلا أن يُنصَف بنا، ومن خرج منهما فمنزله يسعه.
فوالله ما كان إلا كما قال.
وقال المأمون لأحمد بن أبي خالد وغسان بن عباد لما ظفر بإبراهيم بن المهدي: ما تريان فيه؟، قال أحمد بن أبي خالد لغسان: تعفو عنه، وقال غسان: تقتله، فقال أحمد بن أبي خالد: العفو قبيح أم جميل؟، فقال له غسان جميل، فقال أحمد: يا أمير المؤمنين أولى الناس بالجميل ما لم يسبقه أحد بمثله، فكان من أمره ما كان.
وحكى ابن عبدوس: أنَّ رجلًا من وجوه الكتاب كان يقال له: صالح بن علي الأجعم طالت به العطلة في أيام المأمون. قال: فبكرت يومًا إلى أحمد بن [أبي] خالد مُغلّسًا لا أكلمه في أمري، فخرج من بابه وبين يديه الشمع قاصدًا دار المأمون، فلما نظرني، أنكر بكوري، وعبس في وجهي وقال: أفي الدنيا أحد يبكر هذه البكرة، ليشغلنا عن أمورنا؟، فقلت له: أصلحك الله ليس العجب منك فيما تلقيتني به، إنما العجب مني إذ سهرت ليلتي، وأسهرت جميع من في منزلي تأميلًا لك، وتوقفًا للصبح