فأغرق، وجاء وأيام الأدب في رأد ضُحاها وأغصان الأدباء في رداء لحاها، والناس على الفضائل متوافرون، وعلى الفواضل متضافرون، وعصر المغرب عصر لتحليته بأصائله، وترديته بكرم خصائله، فجرى في آفاق ذلك المغرب مجرى الأصيل، وسر مسرى البرء من العليل، فكان شهاب سمائها، وشباب مشابها، فطلع طلوع هلالها العلى، وأنار إنارة نجومها في العشي، وكانت المسامع تختطف حليه اختطاف البروق للأبصار، وتقطفُ جنيه اقتطاف الأيدي جنى الشهد الأبكار.
قال ابن بسام (¬١): أحد الأئمة الكتاب، وشهب الآداب، ممن سُخّرت له فنون البيان، تسخير (¬٢) الجنّ لسليمان، وتصرّف بمحاسن الكلام، تصرف الرياح بالغمام، طلع من ثناياه، واقتعد مطاياه، وله إنشاءات شريفة (¬٣)، في الدولة الحمودية، إذ كان علم أدبائها، والمضطلع بأعبائها (¬٤)، وقد أخرجت من براعته ما يشهد له بالفضل من صناعته. على (¬٥) أكثر جماعته.
فمن نثره قوله (¬٦):
ريح ودي (¬٧) لك صبًا، وزمن إقبالي (¬٨) فيك صبًا، فأنا شارب ماء إخائك، متفيّئ ظل (¬٩) وفائك، جان منك ثمرة فرع طاب أكله، وأجناني البر قديمًا أصله، وسقاني برقه (¬١٠)، ورواني ودقه (¬١١)، وأنت الطالع في فجاجه، السالك لمنهاجه، سهم في الكنانة (¬١٢) صائب، وكوكب في السماء (¬١٣) ثاقب، وعلى الحقيقة فلساني يقصر عن جميل أسره، ووصف ود أضمره.