ولا ينصب معه نصيب، وبيوت شعره أجل مما يصفه الواصف، وأعظم مما أتى به من قصر بلقيس آصف، قد حلب الدهر أشطره، وجلب من سواد المقل أسطره، ومارس النوائب خبرةً حتى قتلها، وعرف تصرّم الحبال كأنه بيده فتلها، وكان يأبى إلا زيادة علم، واستفادة حرب في سلم طالما مال الدهر يسال عنده أكثر الخبر، وأكد العبر. طاولته الأمثال؛ فطار ووقعوا، وغرّق سيله وما نقعوا، ولم ساباه الوطر، ولا خاف على نفسه إلا من البطر. وكان لا يمدّ إلى الدنيا إلا لحظ محتقر، ولا لحاطب الصبر إلا بلفظ غير مفتقر. ولقد كان في شوارد الأيام مثلًا، ولمقل الليالي كحلًا.
ذكره ابن بسام وقال (¬١): «ولد بالمسيلة وتأدب بها قليلًا، ثم ارتحل إلى القيروان، وكان ربوةً لا يبلغها الماء، وغاية لا تنالها الوجناء».
إن نقد سعى الطبع الصقيل وحَفَد، أو كتب سجد القلم الضئيل واقترب، شعاع القمر، وحديث السمر، ومعجزة الخبر والخبر.
ولما طلع نجوم النحوس بسماء المعز بن باديس، وخرج إلى المهدية بسماء كاسفة الأقمار، وذكاء أقصر من طي الخمار، وكان أبو علي ممن انحشر في زمرته المحروبة، وتحيّز إلى فيئته المنكوبة، أقام معه وغشي المهدية، بعد اسطول الروم، فأصبح البحر ثنايا تطلع المنايا، وإكامًا تحمل موتًا زؤامًا، فدخل على المعز حين وضح الفجر، فوجده في مصلاه والرقاع عليه ترد والشمع بين يديه تتقد، فقام ينشده قصيدته التي أولها: [من الوافر]
تثبت لا يُخامرك اضطراب … فقدْ خَضَعَتْ لعزتك الرقاب