وقوله يصف شعرًا وسكّرًا أهداهما إليه أبو الحسين الجزار عند ولادةِ وَلَدِهِ مُحمَّدٍ:
وَيُنْهِي وَرُودَ مَا سَمَحَتْ بهِ الأَنامِلُ الكَريمةُ من دَرِّها الذي ملأ الوطاب وَدُرِّها الذي مَلَكَ الرِّقَابِ، وكلتا الصَّنيعتين حَلا موقعُها، وَعَلا مُصطنعها، ولكلتيهما النَّسَبُ العالي، والثَّمن الغالي، فَلا خَلَتِ الآفاقُ من فَوائِدِهِ، ولا عُطِلَتْ الأعناق من فرائِدِه، فلقد استُنطِقَ بِحَمْدِهِ، حَتَّى الوليدُ بِمَهدهِ، وقد تفاءَلْتُ بهديه يحيى، فقلتُ يُهدى وتحيا. وكانت أبياتُكَ أَوْلَى بِتمامه، وهباتُك أَوَّلُ مَغَانِمه، وقد جَدَّدَ المملوك السُّؤالَ في تَشرِيفِ مَولانا بِكرائمهِ، كما شُرِّفَ بِمكارمه، وَرَأَيْهُ أعلى.
وحُكِيَ أَنَّ ابن اسباسلار والي مصر قد طلع في ذكره دمل أطال ليله، وقصَّرَ بطولِ القُعود ذيله، فكفَّ مِنْ جماحهِ الطَّمَع، وفَرِّقَ شَمْلَ مَسَرَاتِهِ بِمَا جَمَع، فَأَتَاهُ الطَّبيبُ والأَلَمُ قد أوسعَهُ فوق جهده وحمّله (يبس) الصاحب في رقعةٍ من خلدِهِ، فَأَمَرَه بتجنّب الزّفَر، وزَجَرَهُ عن أمور لو انزَجَر، فبعث إلى أبي الحسين الجزار في عمل مُزوّرات له، فَعَمِلَ مِنها أنواعًا مُنوَّعة، وبَعَثَ بها فجَاءتْ إليهِ مُسرعة، وكتب إليه معها رقعة المقصود منها:
وَما عَلِمَ المملوك ما تجدّد من حديث ذلك الشَّخْصِ الذي شَكَا أَلَمَ تَاجِهِ وَوَرَمَ أوداجه، وانحراف مِزاجه، وعَجْزَ مُمرضيهِ عن مداواتِهِ وَعِلاجه. وظاهر الحال أنَّ الذي أَحَدَّ بَأْسَه، وآلَمَ رَأْسَهُ، كَونُهُ تَقاوى وتَسَلَّطَ وَتَركَ الحِميةَ وخلط، فلو أَنَّهُ لَزِمَ من الأغذية ما اعتَادَ، وَجَرَى من الرِّياضةِ والتَّورُّع على ما جَرَتْ بِهِ العادة؛ لَمَا ضَعَفَتْ