ومنهُمْ:
[٥٨١] أحمدُ بنُ نَصْرِ اللهِ بنِ باتكينَ المِصْرِيُّ القاهِرِيُّ (¬١)، مُحيي الدين، أبو العباس
ملأ العيان، وجَاءَ على فَتْرَةٍ بِمُعْجِزِ البَيان، فَأَطلع الألفاظ غُرَّا، وَأَطْمَعَ كُلَّ أَدِيبٍ قَالَ لَعَلَّ لَهُ عُذْرا، وَظَلَّ يُعَاطِي كُؤوسَ الأَدبِ مُعَاطَاةَ الرَّاحِ، وَيُدافِعُ على عُيُونِه دِفَاعَ الرَّاح، كَلَفَ بِهِ فَكَلفَ ذَوِي الغَرام، وَشُغِفَ بِهِ شَغَفُ الرَّوْضِ بِالغَمَامِ، فَحَاز منه الاقتراح، وَجَاز الغَايَاتِ فَحَطَّ الرق عنه واستراح. وكانَ ذِهْنُهُ يَتَوَقَّدُ الضَّرَامِ، وَجَفْتُهُ يَتجنَّبُ الكَرَى الحَلال تَجنُّبَ الحَرام، وَتَدفَّقَ خَاطِرْهُ بِالمَعَاني التي فَجَّرها وَتَوَقَّدَ بِالنَّارِ التي سَجَرَها، وتَفَنَّنَ بِالفُنُونِ التي ما كانَ لأقلام البُلَغَاءِ أَنْ تُنْبِت شَجَرَها.
وقد حُكي أَنَّهُ كَانَ على قَدَمِهِ الثَّابِتة في الأدب، وتَقَدُّمهِ في فَنْهِ الذي زَمَّ إِليهِ ركائب الطلب، رُبَّما أخطأ الوَزْنَ في مَواضِع وخرج عنه من غير موانع.
وحَكَى السِّراجُ الوَرَّاقُ أَنَّهُ انتَقَدَ عليهِ وَزْنَ الكاملِ فَبَلَغَ ذلك ابن باتكين، فكتب إليه: [من الكامل]
يَا جَابِرًا كَسْرَ الضَّعِيفِ بِطَوْلِهِ … وَمُصحِّحًا مَعْلُولَ كُلِّ سَقِيمٍ
لا تَعْجِبَنْ إِنْ تَبْدُ مِنِّي تَوْبَةٌ … عَنْ وَزْنِ بَحْرِ الكَامِل المُوسُومِ
لا زِلْتَ تَسْتُر كُلَّ عَيْبٍ ظَاهِرٍ … مِنّي وَتأسو دَامِياتِ كُلُومي
فأجابه: [من الكامل]
بَاكَرْتَني بِخَمِيلَةٍ مَطْوِيَّةٍ … يَسْرِي لها أَرَجٌ بِكُلِّ نَسِيم
فَشَكَرتُ من أَنفاسها أَدَبِيَّةً … ذَهَبِيَّةً في وشيها المَرْقُومَ
وَوَرَدْتَ بحرًا كاملًا من كامِل … تَرَكَ الخَلِيلَ يُحِنُّ قَلْبَ كَلِيمَ
ومن شعره قوله (¬٢): [من الكامل]