رسوله ﷺ أجبناه حين دعانا إلى الله، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به، فبادرناهم إليه، وآمنا به، وكفروا به، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية فينا وفيهم:
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾ (¬١).
قلت (¬٢):
وقد جاء في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ﴾، والمراد: يجدونه بعينه، ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾، وهو مكارم الأخلاق وصلة الأرحام: ﴿وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾، وهو الشرك: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾، وهو ما كانت العرب تستطيبه: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾، وهو ما كانت العرب تأكله من الميتة والدم ولحم الخنزير: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾، هي [الأثقال التي كانت عليهم من] تحريم السبت، والشحوم: ﴿وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (¬٣)، وأن لا تقبل دية في القتل، وأن يقرضوا ما أصابه البول.
قاله الزجاج ومن أعلامه في التوراة، في السفر الخامس:
«إني أقيم لبني إسرائيل نبيا من إخوتهم مثلك، أجعل كلامي على فمه» (¬٤).
وهذا أوضح الأعلام؛ لأنه (ما) أنشأ إخوة بني إسرائيل إلا بني إسماعيل، كما تقول: فلان أخو بني بكر. فإن قالوا: هذا الموعود به من بني إسرائيل - أيضًا - لأنهم إخوة، أكذبهم النقل والعقل، فأما النقل؛ فلأنه لم يقم فيهم مثل موسى، وأما البرهان؛ فلأنه لو كان المراد من بني إسرائيل، لقال: أقيم لهم من أنفسهم، ولم يقل: من إخوتهم (¬٥).