وخرج فقعد مكان أبيه، والقلوب منه نافرة، والنفوس له عن البغضاء سافرة، وأكب عليه أخوه راجح (¬١) بن أبي عزيز، ووجوه الأشراف، أمير (¬٢) الركب العراقي في حين قدم، وقال كل منهم فيه بما علم، فغلق أبواب مكة، وجمع للامتناع، ثم أنسل من الجمع فريدًا، ونَسَلَ من جناح بني أبيه في البر المقفر طريدا، وأتى بغداد، فمرض بها، وكان لا يزال يرى أباه يتردد إليه في منامه، ويضع يده في خناقه فينتبه مذعورًا، ويسمعه من معه في البيت يصيح، وهو كالمتخبط، ويقول: بالله لا تفعل، ومات سنة ثلاث وعشرين وستمائة.
وقام بعده أخوه راجح بن أبي عزيز، وكان لوفور عقله راجحًا، ولحسن فعله حيث يمم ناجحًا. أَخَذَ نفسه بسلوك الطاعة، ولزوم الجماعة.
ثم ولي أبو سعيد الحسين (¬٣) بن علي بن أبي عزيز وكان جوادًا أبيًّا شهمًا وفيًّا، أديبًا فصيحًا عربيًّا، ثم أتى دمشق جماز بن حسن بن أبي عزيز. وأبوه حسن المتقدم الذكر، وقد طنّ في رأسه طلب ملك أبيه بعد كلام شجر بينه وبين أقربيه، وكان قد انحمل على ابن عمه أبي سعيد الحسين بن علي ابن أبي عزيز، وكان قد امتد أمره إلى مكة (¬٤)، وطلب من الناصر بن العزيز أن يجهزه بمال وعسكر ليخطب له بمكة، فأمطله متى ضَجَر، ثم بعثه مع الركب، فأفسد حال ابن عمه أبي سعيد، ثم آل الأمر إلى أنه وثَبَ عليه فقتله واستولى على مكة، وخطب بها للناصر سنة إحدى وخمسين وستمائة ثم كان يقول: كنت أودّ لي بملك أبي سعيد مثل قوله: [من الطويل]
إلى الخيف من وادي منى والمحصَّبِ … أحنّ بقلب فوق جمر مقلب
واشتاق من أرض الحجون معالمًا … ببطحائها والشوق مذ كنت مذهبي