أما الأدلة على أن الملائكة متصفون بالكلام فقد أخبرنا الله ﷾ عن المحاورة التي جرت بينه ﷿ وبين ملائكته ﵈ فقال ﵎: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [البقرة: ٣٠ - ٣٢].
فأثبت الله ﷿ في هذه الآيات أنه كلم الملائكة ﵈ وكلموه.
وقد أخبر الله ﷾ أيضاً أن الملائكة ﵈ يكلم بعضهم بعضاً كما في قوله تعالى: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ: ٢٣].
وقد ذكر الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ أن هذه الآية فيها: (إثبات أن الملائكة يتكلمون ويفهمون ويعقلون لأنهم يسألون: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ويجابون: قال الْحَقَّ، خلافاً لمن قال: إنهم لا يوصفون بذلك؛ فيلزم من قولهم هذا أننا تلقينا الشريعة ممن لا عقول لهم، وهذا قدح في الشريعة بلا ريب) (١).
وفي هذه الأدلة – التي تثبت صفة الكلام للملائكة ﵈ – دلالة أيضاً على أنهم أحياء.
ومما يدل على ذلك أيضاً ما أخبر الله ﷿ عنهم من أنهم يصعدون وينزلون، كما في قوله تعالى: تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج: ٤]، وقوله تعالى: تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ [القدر: ٤]. وغير الحي لا يمكن وصفه بذلك.
أما من السنة فقد ثبت أن الملائكة ﵈ يتمثلون في صورة البشر، كما في حديث جبريل المشهور عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (بينا نحن عند رسول الله ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ ... ).
ثم قال النبي ﷺ في آخر الحديث: ((يا عمر! أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل، أتاكم يعلمكم دينكم)). (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: ((أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى، فأرصد الله له على مدرجته ملكاً، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله ﷿، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه)). (٣).
وهذا إثبات قاطع على أن الملائكة ﵈ أحياء، وأنهم يتكلمون.
فظهر جلياً بما لا يدع مجالاً للشك – بجموع هذه الأدلة – أن الملائكة ﵈ خلق من خلق الله ﷿، وهم أحياء ناطقون. المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع لمجموعة مؤلفين – ص: ٦٦٤