"المُسْنَدِ" (٣). واخْتَلَفُوا في الإِسْراعِ المُسْتَحَبِّ، فقال القاضي: المُسْتَحَبُّ إسْرَاعٌ لا يَخْرُجُ عن المَشْىِ المُعْتادِ. وهو قولُ الشَّافِعِيِّ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: يَخُبُّ، ويَرْمُلُ؛ لما رَوَى أبو دَاوُدَ، عن عُيَيْنَةَ بن عبدِ الرحمنِ، عن أبِيهِ. قال: كُنَّا في جِنَازَةِ عُثمانَ بن أبي الْعَاصِ، فَكُنَّا نَمْشِى مَشْيًا خَفِيفًا، فَلَحِقَنَا أبو بَكْرَة (٤)؛ فَرَفَعَ سَوْطَهُ، فقال: لقد رَأيْتُنَا مع النَّبِيِّ ﷺ نَرْمُلُ رَمَلًا (٥). ولَنا، ما رَوَى أبو سَعِيد، عن النَّبِيِّ ﷺ: أنَّه مَرَّ عليه بِجِنَازَةٍ تُمْخَضُ مَخْضًا، فقال ﵇: "عَلَيْكُمْ بالْقَصْدِ في جَنَائِزِكُمْ". من "المُسْنَدِ" (٦). وعن ابنِ مسعودٍ قال: سَألْنَا نَبِيَّنَا ﷺ عن المَشْىِ بالجِنَازَةِ. فقال: "ما دُونَ الخَبَبِ (٧) " رَوَاه أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ (٨). وقال: يَرْوِيه أبو ماجِدٍ، وهو مَجْهُولٌ. وقولُ النَّبِيِّ ﷺ: "انْبَسِطُوا (٩) بِهَا، وَلَا تَدِبُّوا دَبِيبَ اليَهُودِ". يَدُلُّ على أنَّ المُرَادَ إسْرَاعٌ يَخْرُجُ به عن شِبْهِ مَشْىِ اليَهُودِ بِجَنَائزِهم، ولأنَّ الإِسْرافَ في الإِسْراعِ يَمْخُضُهَا، ويُؤْذِى حَامِلِيها ومُتَّبِعِيهَا، ولا يُؤْمَنُ على المَيِّتِ. وقد قال ابنُ عَبَّاسٍ، في جِنَازَةِ مَيْمُونَةَ: لا تُزَلْزِلُوا، وَارْفُقُوا، فإنَّها أُمُّكُمْ.
فصل: واتِّبَاعُ الجَنَائِزِ سُنَّةٌ. قال الْبَرَاءُ: أمَرَنَا رسولُ اللهِ ﷺ بِاتِّبَاعِ