قالت: واللهِ لو حَضَرْتُكَ ما دُفِنْتَ إلَّا حيثُ مُتَّ، ولو شَهِدْتُكَ ما زُرْتُكَ (٤٤). ولأنَّ ذلك أخَفُّ لِمُؤْنَتِه وأسْلَم له من التَّغْيِيرِ. فأمَّا إنْ كان فيه غَرَضٌ صَحِيحٌ جَازَ. وقال أحمد: ما أعْلَمُ بِنَقْلِ الرَّجُلِ يَمُوتُ في بَلَدِهِ إلى بَلَدٍ أُخْرَى بَأْسًا. وسُئِلَ الزُّهْرِىُّ عن ذلك، فقال: قد حُمِلَ سعدُ بن أبي وَقَّاصٍ، وسَعِيدُ بن زيدٍ، من العَقيقِ إلى المَدِينَةِ. وقال ابنُ عُيَيْنَةَ: ماتَ ابنُ عمرَ هنا، فأوْصَى أن لا يُدْفَنَ ها هُنا، وأن يُدْفَنَ بِسَرِفٍ (٤٥).
فصل: وإذا تَنَازَعَ اثْنَانِ من الوَرَثَةِ، فقال أحَدُهما: يُدْفَنُ في المَقْبَرَةِ المُسَبَّلَة. وقال الآخر: يُدْفَنُ في مِلْكِهِ. دُفِنَ في المُسَبَّلَة؛ لأنَّه لا مِنَّةَ فيه، وهو أقَلُّ ضَرَرًا على الوَارِثِ. فإنْ تَشَاحَّا في الكَفَنِ، قُدِّمَ قَوْلُ مَن قال نَكْفِنُه من مِلْكِه؛ لأنَّ ضَرَرَهُ على الوَارِثِ بِلُحُوقِ المِنَّةِ، وتَكْفِينُهُ من مالِه قَلِيلُ الضَّرَرِ. وسُئِلَ أحمدُ عن الرَّجُلِ يُوصِى أن يُدْفَنَ في دَارِهِ. قال: يُدْفَنُ في المَقابِرِ مع المُسْلِمِينَ، وإن دُفِنَ في دَارِهِ أضَرَّ بِالوَرَثَةِ. وقال: لا بَأْسَ أن يَشْتَرِىَ الرَّجُلُ مَوْضِعَ قَبْرِه، ويُوصِىَ أن يُدْفَنَ فيه، فَعَلَ ذلك عثمانُ بنُ عَفانَ، وعائشةُ، وعمرُ بن عبدِ العزِيزِ، رَضِىَ اللهُ عنهم.
فصل: إذا تَشَاحَّ (٤٦) اثْنَانِ في الدَّفْنِ في المَقْبَرَةِ المُسَبَّلَة، قُدِّمَ أسْبَقُهما، كما لو تنازَعَا في مَقاعِدِ الأَسْواقِ، ورِحابِ المَساجِدِ، فإن تَساوَيَا أُقْرِعَ بَيْنَهما.
فصل: وإنْ تَيَقَّنَ أن المَيِّتَ قد بَلِىَ وصَارَ رَمِيمًا، جازَ نَبْشُ قَبرِه، ودَفْنُ غَيْرِه