الكوفةِ بِأحاديثَ مَعْلُولَةٍ، ذكَرْناها مَعَ عِلَلِها. وذكرَ الأثْرَمُ أحاديثَهم التي يحتجُّون بها عن النَّبِيِّ ﷺ والصَّحابةِ، فضعَّفَها كلَّها، وبَيَّنَ عِلَلَهَا. وقد قِيلَ إنَّ خَبَرَ ابنِ عباسٍ مَوْقوفٌ عليه، مع أنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ بِالسُّكْرِ الْمُسْكِرَ من كلِّ شرابٍ، فإنَّهُ يَرْوِي هو وغيرُه عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ".
الفصل الثاني: أنَّه يجبُ الحَدُّ على من شَرِبَ قليلًا من المُسْكِرِ أو كَثيرًا. ولا نعلمُ بينهم خلافًا في ذلك في عَصيرِ العِنَبِ غيرِ المَطْبوخِ، واخْتَلفُوا في سائرِها، فذهبَ إمامُنا إلى التَّسْوِيَةِ بينَ عصيرِ العنبِ وكلِّ مُسْكِرٍ. وهو قولُ الحسنِ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيز، وقَتَادةَ، والأوزاعِىِّ، ومالِكٍ، والشَّافِعِىُّ. وقالتْ طائفةٌ: لا يُحَدُّ، إلَّا أنْ يُسْكِرَ؛ منهم أبو وائلٍ، والنَّخَعِىُّ، وكثيرٌ من أهلِ الكوفِة، وأصْحابُ الرَّأى. وقال أبو ثَوْرٍ: مَن شَرِبَه مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَه حُدَّ. ومن شَرِبَه مُتأوِّلًا، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّه مُخْتلَفٌ فيه، فأشْبَهَ النِّكَاحَ بلا وَلِىٍّ. ولَنا، ما رُوِيَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوه". روَاه أبو داودَ، وغيرُه (١٠). وقد ثبتَ أنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، فيتناولُ الحديثُ قليلَه وكثيرَه، ولأنَّه شَرابٌ فيه شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ، فوجبَ الحَدُّ بقليلِه، كالخمرِ، والاخْتلافُ فيها (١١) لا يَمْنَعُ وُجوبَ الحَدِّ فيها؛ بدليلِ ما لو اعْتقدَ تَحْريمَها. وبهذا فارقَ النِّكاحَ بلا وَلِىٍّ ونحوَه من المُخْتلَفِ فيه، وقد حَدَّ عمرُ قُدامةَ بنَ مَظْعونٍ وأصحابَه، مع اعْتقادِهم حِلَّ ما شَرِبُوه (١٢). والفرقُ بين هذا وبينَ سائرِ المُخْتَلَفِ فيه من وَجْهَيْن؛