بالإِيتاءِ، إعْطاؤُه سَهْمًا من الصَّدَقةِ، أو النَّدْبُ إلى التَّصَدُّقِ عليه، وليس ذلك بواجِبٍ، بدليلِ أَنَّ العَقْدَ يُوجِبُ العِوَضَ عليه، فكيف يَقْتَضِى إسْقاطَ شىءٍ منه؟ قُلْنا: أمَّا الأوَّلُ، فإِنَّ عليًّا وابنَ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، فَسَّراه بما ذكَرْناه، وهما أعْلَمُ بتَأْوِيلِ القرآنِ، وحَمْلُ الأمرِ على النَّدْبِ يُخالِفُ مُقْتَضَى الأَمْرِ، فلا يُصَارُ إليه إِلَّا بدَلِيلٍ. وقَولُهم: إِنَّ العَقْدَ يُوجِبُ عليه، فلا يَسْقُطُ عنه. قُلْنا: إنَّما يَجِبُ الرِّفْقُ (٧) به عندَ آخِرِ كِتابَتِه، مُوَاساةً له، وشكرًا لنِعْمةِ اللَّهِ تعالى، كما تَجِبُ الزَّكَاةُ مُواساةً من النِّعَمِ التى أَنْعَمَ اللَّهُ تعالى بها على عَبْدِه، ولأنَّ العَبْدَ وَلِىَ جَمْعَ هذا المالَ، وَتَعِبَ فيه، فاقْتَضَى الحالُ مُواساتَه منه، كما أمَرَ النَّبِىُّ ﷺ بإطْعامِه من الطَّعامِ الذى وَلِىَ حَرَّه ودُخَانَه (٨)، واخْتصَّ هذا بالوُجُوبِ؛ لأنَّ فيه مَعُونةً على العِتْقِ، وإعانةً لمن يحِقُّ على (٩) اللَّهِ تعالى عَوْنُه، فإِنَّ أبا هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ: "ثَلاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ تَعالَى عَوْنُهُمْ، الْمُجَاهِدُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، والْمُكاتَبُ الَّذِى يُرِيدُ الْأَدَاءَ، والنَّاكِحُ الَّذِى يُرِيدُ الْعَفَافَ". أخْرَجَه التِّرْمِذِىُّ (١٠)، وقال: حديثٌ حسنٌ.
الفصل الثانى: فى قَدْرِه، وهو الرُّبْعُ. ذكَره الْخِرَقِىُّ، وأبو بكرٍ، وغيرُهُما من أصحابِنا. ورُوِىَ ذلك عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وقال قَتادةُ: العُشْرُ. وقال الشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ: يُجْزِئُ ما يَقَعُ عليه الاسْمُ. وهو قولُ مالكٍ، إِلَّا أنَّه عندَه مُسْتَحَبٌّ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. و ﴿مِنْ﴾ للتَّبْعِيضِ، والقَلِيلُ بعضٌ، فيُكْتَفَى به. وقال ابنُ عباسٍ: ضَعُوا عنهم من كِتَابَتِهم (١١) شيئًا. ولأنَّه قد ثَبَتَ أَنَّ