قلت: يغفر الله للإمام أحمد، فقد كانت في عهد عمر دراهم زيوف، مما صار إليهم من غنائم الفرس ودنانير زيوف مما صار إليهم من غنائم الروم، ولم يكن قد شاع التعامل بالسكة الإسلامية التي شرع عمر في ضربها، لكان طبيعيًّا أن تجيء في أنصبة الغنائم أو فيما يتداوله الغانمون أو في أرزاق بيت المال دراهم ودنانير زيوف، ولست أدري كيف غفل أحمد عن هذا إن صحت عنه الرواية المذكورة آنفًا.
ثم ساق الفراء ما نقلناه من قبل عن الماوردي من آثار فيما يتصل بالدراهم المكسورة، وكسرها والعقوبة على كسرها وتزييفها.
ثم قال: وروى ابن منصور أنه قال لأحمد: أن ابن الزبير قدم مكة فوجد بها رجلًا يقرض الدراهم فقطع يده، وكانت الدراهم تؤخذ برؤوسها بغير وزن فعده سارقًا، قال - يعني أحمد -: هذا إفراط في التعزير.
قلت: هذا تعليل صحيح - ورحم الله - أحمد فلسنا نراه إفراطًا في التعزيز كما رآه هو، وإنما هو العقاب الواجب على جناية التزييف، إما بقطع الدرهم إذا كان يتداول عدًّا، وإما بغشه إذا كان يتداول عينًا، ورحم الله الحسن فقد كان أبصر بشؤون المال وأقرب إلى تصور الحقيقة النقدية ووظيفتها فيما نلقناه عنه آنفًا عن طريق يونس بن عبيد من قوله: (غششتموه وأفسدتموه) ... إلخ. ذلك بأن التزييف القطع أو بالغش يتضمن معنى السرقة، وإن لم تتمثل فيه مواصفاتها وقد يبلغ التعزير القتل وما هو أشد من القتل كما فعل أبو بكر ﵁ بمن سيقا إليه متلبسين بجريمة " الشذوذ الجنسي "، فالتعزيز عقوبة يرجع إلى الإمام تقديرها ويعتمد الإمام في تقديرها ليس على طبيعة الجريمة وحلها، ولكن أيضًا على مدى تأثيرها في حياة المجتمع الإسلامي أو في المصالح العامة للمسلمين وأي فساد بشؤون المسلمين وذممهم أشنع من تزييف النقد وتزويره وأبعد أثرًا.