ثم استطرد قائلا عن شلتوت:
وأضاف أن هذا الصنيع لا يجري عادة إلا بين معدم غير واجد وموسر يستغل حاجة الناس غير مكترث بشيء من معاني الرحمة التي يبني مجتمعة عليها والتي لو عدمت في المجتمعات لأصبحت كغابات الحيوانات المفترسة وهذا النوع من التعامل لا تقبل إنسانية فاضلة الحكم بإباحته.
إلى أن قال: وقد صرح بذلك بعض الفقهاء، فقالوا: يجوز للمحتاج الاستقراض بالربح إن كان للأفراد ضرورة أو حاجة تبيح لهم هذه المعاملة وكان تقديرها مما يرجع إليهم وحدهم وهم مؤمنون بصيرون بدينهم فإن للأمة أيضا ضرورة أو حاجة كثيرا ما تدعو للاقتراض بالربح فالمزارعون كما نعلم تشتد حاجتهم في زراعاتهم وإنتاجهم إلى ما يهيؤون به الأرض والزراعة والحكومة كما نعلم تشتد حاجاتها إلى مصالح الأمة العامة وإلى ما تعد به العدة ... والتجار تشتد حاجاتهم إلى ما يستوردون به البضائع ... ولا ريب أن الإسلام الذي يبني أحكامه على قاعدة اليسر ودفع الضرر ... يعطي الأمة في شخص هيآتها وأفرادها في قلة أن تقترض بالربح تحقيقا لتلك المصالح التي بها قوام الأمة وحفظ كيانها.
وبعد ذلك تناول الأرباح التي يعطيها صندوق التوفير فقال: والذي نراه تطبيقا للأحكام الشرعية والقواعد الفقهية السابقة أنه حلال ولا حرمة فيه.
قلت: بعض هذا الذي قاله شلتوت سبق أن رددناه على السنهوري ودمغنا ما جاء من كلامه، لكن دعوى شلتوت أن بعض الفقهاء، قالوا: يجوز للمحتاج الاستقراض بالربح ... إلخ دعوى لا نعرف لها دليلًا فمن هم هؤلاء الفقهاء؟ ولماذا لم يذكرهم ولم يحل على مصادره عنهم إلا إن كان يقصد رشيد ومن نراه ممن يحتج بقوله بعد أن رضي لنفسه ولفتواه الاستظهار بحفني ناصف وهو لا يعدو أن يكون شاعرًا أديبًا ثم كيف يبيح شلتوت لنفسه تقليد غيره خاصة من كان في مستوى رشيد رضا، وهو الذي يبدو في مجموع مؤلفاته يأنس من نفسه أنه فوق درجة التقليد والمقلدين وله اجتهادات موفقة، إن الذي يبدو لنا هو أن هذه الفتوى كانت لها ظروف خاصة مؤقتة ألجأته إلى ما يشبه " التقية " التي يأخذ بها الشيعة وهي ليست الوحيدة من نوعها في فتاويه ولا نقصد فتاويه المطبوعة فله غيرها مما نشرته الصحف له في أواخر أيامه يغفر الله له، لقد كان عالمًا جليلًا لكن لعله كان ضعيفًا لا يستمسك الامتحان.
وآية ذلك ما يضيفه العبادي بعد أن أوجز فتواه تلك فيما سبق حيث يقول:
وقد ثبت أن الشيخ - رحمه الله تعالى - قد رجع عن هذه الفتوى عندما دخل غرفة العمليات الجراحية وأجريت له العملية ولم يقدر له الشفاء، وقال الشيخ نور الدين عتر - أحال على كتابة " المعاملات المصرفية وعلاجها في الإسلام " ص ٦٥ " تعليق " - لكن وقفت على سند يدل على رجوعه قبل ذلك بزمن أخبرني من يوثق به من أهل العلم - كان ينبغي أن يذكره لتكون الشهادة ثابتة الأركان إن كان من العدول، فالمسألة هنا من الخطر بحيث لا تنزل عن رتبة الشهادة إلى رتبة الرواية أو الخبر - أنه قال له ولبعض الزوار في البيت: لا تأخذوا بفتواي في الربا والتأمين. وذكر نحو هذين أيضا وإخراجه كتاب التفسير بعد الفتوى يدل على ذلك لما فيه من إبطال ما اشتمل عليه كتاب الفتوى في هذه المسألة.