قلت: بحث شلتوت ﵀ وغفر له (في تفسيره: ص ٤٧، ١٦٠) موضوع الربا بدقة وشمول وبيان بحثا لا أعرف له مثيلا لدى نظرائه ممن اضطربت مواقفهم من أمر الربا وبعد أن استعرض تاريخ الربا عند العرب وأقوال الفقهاء في ربا الفضل ومناط التشريع خلقيًّا واقتصاديًّا في تحريم الربا، قال:
تحت عنوان: (شبهات " العصريين " في استباحة الربا) :
يرى بعض الناس، أن الربا أصبح في عصرنا الحاضر معاملة عامة وأساسا من أسس الاقتصاد فإن المصارف المالية والشركات المختلفة التي لا غنى للأمة عنها تعتمد عليه في سائر معاملاتها وليس من الرأي ولا من مصلحة الأمة أن نشير عليها بهدم ذلك كله وأن تنفرد من بين الأمم بمعاملة خالية من الربا وأن نترك البيوت المالية الأجنبية تفيد من ثمرات هذا التعامل المالي دوننا وقد ارتبطت الدول والأمم بعضها ببعض، فلم يعد من الممكن أن تستقل أمة بنوع من المعاملة لا تعرفه غيرها وأن أساليب الإصلاح والعمران تستدعي رصد الأموال وتجميعها من الأفراد لتستغل فيما ينفع الأمة وتستدعي في كثير من الأحيان أن تقترض الحكومات من غيرها أو من الشعوب أموالا تضمنها بسندات ذات ربح مقدر فتمتص بذلك الأموال المدخرة المعطلة وتحولها إلى منافع ومصالح ترقى بها الأمة وتسعد.
يقولون هذا ويرون أن تحريم الإسلام للربا عائق عن بلوغ الأمة شأن أهل المدينة الحديثة مفض بها إلى الضعف المادي فالضعف الأدبي فالاستعمار
ومن الناس من يقول: إن اقتراض المحتاج قدرا من المال بفائدة ربوية " قانونية " - أحسبه يشير إلى السنهوري يمكنه من سد حاجته ويدرأ عنه الإفلاس والضياع، فلا يعقل أن يكون هذا ضررا أو فسادا وإنما هو نفع وصلاح ونحن نجد من المعاملات التي أباحتها الشريعة الإسلامية ما يعتمد على دفع الأقل عاجلا للحصول على الأكثر آجلا كالسلم فحيث أجاز الشرع معاملة السلم فيجر معاملة الربا فإن المعنى واحد.
وهذا موضوع قد أثير كثيرًا، وأشغل الأفكار منذ أنشبت المدنية الحديثة أظفارها في أعناق المسلمين - قلت: ما أبلغ هذا التعبير وأدق دلالته - وعمل أهل التشكيك في صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان عملهم المتواصل في الفتنة وزلزلة القلوب عن دين الله والقضية في الحقيقة ليست قضية الربا أو غيره من المعاملات المالية وإنما هي قضية الشريعة الإسلامية كلها وقد انصرف عنها أهلها وتعلقوا بأهداب غيرها من قوانين الأمم الغالبة المسيطرة عليهم ومن شأن المغلوب أن يولع بتقليد الغالب ويرى أكثر ما يفعله خيرا وصلاحًا ويزين له الشيطان أن نجاحه إنما يرجع إلى عدم تمسكه بما يتمسك به هو من القواعد والأصول والآداب والتقاليد.
لو كان للإسلام دولة وقوة لكان تشريعه هو المتبع، ولكان للأمم والشعوب من الوسائل الاقتصادية العملية ما يغنيهم عن الربا وغير الربا مما حرمه الإسلام، وإن للكسب لموارد طبيعية هي الأساس والفطرة، كالزراعة والصناعة والتجارة والشركات المساهمة والتعاونية ولا يستطيع أحد أن يقول: إن الشعوب لا تستطيع أن تقيم مدنيتها على أساس التعاون والتراحم ومساعدة الفقير والمحتاج وإقراضه قرضا حسنا على نظام يكفل لأصحاب الحقوق حقوقهم ولا يؤدي إلى إثقال كواهل المدينين واستلاب أموالهم بالباطل.