وقال ابن بريدة: لقد مضى النبي ﷺ وما يعرف الروح (¬١).
ولقد كثر اختلاف الناس في النفس والروح، وليس في أقوالهم في ذلك ما يعوَّل عليه.
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ خطاب عام لجميع الناس؛ لأن علمهم قليل بالنظر إلى علم الله.
وقيل: خطاب لليهود خاصة.
والأول أظهر؛ لأن فيه إشارةً إلى أنهم لا يَصِلون إلى العلم بالروح.
﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: إن شئنا ذهبنا بالقرآن، فمحوناه من الصدور والمصاحف.
وهذه الآية متصلة المعنى بقوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ أي: في قدرتنا أن نذهب بالذي أوحينا (¬٢) إليك فلا يبقى عندكم شيءٌ من العلم.
﴿وَكِيلًا﴾ أي: من يتوكل بردِّه وإعادته بعد ذهابه.
﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ يحتمل أن يكون:
استثناء متصلًا؛ بمعنى: أن رحمة ربك تردُّ القرآن بعد ذهابه لو ذهب.
أو استثناء منقطعًا؛ بمعنى: أن رحمة ربك تمسكه عن الذهاب.
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ عجز الخلق عن الإتيان بالقرآن؛ لما تضمنه من العلوم الإلهية، والبراهين
الواضحة، والمعاني العجيبة التي لم يكن الناس يعلمونها، ولا يصلون إليها، ثم جاءت فيه على الكمال.
وقال أكثر الناس: إنهم عجزوا عنه لفصاحته وحسن نظمه.
ووجوه إعجازه كثيرة قد ذكرنا في غير هذا منها خمسة عشر وجهًا (¬١).
﴿ظَهِيرًا﴾ أي: معينًا.
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي: بيَّنا لهم كل شيء من العلوم النافعة، والبراهين القائمة، والحجج الواضحة.
وهذا يدلُّ على إن إعجاز القرآن بما فيه من المعاني والعلوم كما ذكرنا.
﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ الكفور: الجحود، وانتصب بقوله: ﴿أَبَى﴾؛ لأنه في معنى النفي.
﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)﴾ الذين قالوا هذا القول: هم أشراف قريش، طلبوا من النبي ﷺ أنواعًا من خوارق العادات، وهي التي ذكرها الله في هذه الآية.
وقيل: إن الذي قاله عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، وكان ابن عمة النبي ﷺ، ثم أسلم بعد ذلك.
والينبوع: العين، قالوا له: إن مكة قليلة الماء ففجِّرْ لنا فيها عينًا من الماء.