﴿إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾ والتوصية: التقدُّم بفعلٍ فيه صلاحٌ دينيٌّ أو دنيويٌّ، وقرئ: ﴿وأوصى﴾ (¬١)، والأول أبلغ. واشتقاقُها من وصَّاه؛ أي: وصَله، ويضادُّه فصَّاه؛ أي: فصَله.
﴿وَيَعْقُوبُ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ أي: وصَّى هو أيضًا بها بنيهِ، وقرئ بالنصب (¬٢) على أنه ممن وصَّاه إبراهيم، وإنما مُنع عن الصرفَ للعلَمية والعُجمة.
﴿يَابَنِيَّ﴾ على إضمار القول، أو متعلِّق بـ (وصَّى)؛ لأنَّه نوع منه، وباعتباري القول والفعل يجوز إثباتُ (أنْ) وحذفُها؛ كما في الرسالة والإبلاغ والإنذار والوعد.
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ دينَ الإسلام الذي هو صفوةُ الأديان؛ لقوله: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ كناية عن الثبات على الإسلام، وفي العبارة المذكورة إشارةٌ إلى أنَّ العبرة للخاتمة.
﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾﴿أَمْ﴾ منقطعةٌ، ومعنى الهمزةِ فيها الإنكارُ؛ أي: ما كنتُم حاضرين.
﴿إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ﴾ وقال لبَنيه ما قال، فلِمَ تدَّعون اليهوديةَ عليه.
رُوي (¬١) أن اليهود قالوا لرسول ﷺ: ألستَ تعلمُ أن يعقوب أوصى بنيهِ باليهودية يومَ ممات؟ فنزلت.
والشُّهود: حضور بالذات، أو بالعناية، أو بالمقال، والحضورُ أكثرُ ما يقال بالذات، كذا قال الراغب (¬٢).
وتقديمُ المفعول - وهو ﴿يَعْقُوبَ﴾ - لشدةِ الاهتمام به؛ لأنهم يدَّعون عليه اليهودية.
﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ﴾ بدلٌ من ﴿إِذْ حَضَرَ﴾.
﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ لم يَعْنِ به العبادةَ المشروعةَ فقط، بل عنَى جميع الأعمال، فكأنه دعاهم أنْ لا يتخيَّروا في أعمالهم غيرَ وجه الله تعالى، ولم يَخَفْ عليهم الاشتغالَ بعبادة الأصنام، وإنما خاف أن تشغَلهم دنياهم، ولهذا زادوا في الجواب قولهم: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أي: منقادون له في جميع الأفعال والأحوال.
﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ أي: نقتدي بك كما اقتديتَ بآبائك، وللإشعارِ بهذا الاعتبارِ المناسب للمقام زادوا في الكلام على قَدْر الحاجة في الجواب،
وقُرئ: (وإنهَ أبيك) (¬١) على أنه جمعُ أبٍ على السلامة، أو مفردٌ و ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ عطفُ بيانٍ.
﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ بدلٌ عن قوله: ﴿آبَائِكَ﴾، وإبراهيمُ ﵇ كان جدًّا له والجدُّ أبٌ؛ قال الله تعالى ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧].
وإسماعيلُ ﵇ كان عمًّا له، والعمُّ عند العرب يسمَّى أبًا، قال النبيُّ ﵇ في حقِّ العباس ﵁: "ردُّوا عليَّ أبي" (¬٢)، وإنما قدَّمه على أبيه إسحاق لأنَّه كان أكبرَ سنًا منه (¬٣).
﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ بدلٌ من ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾، ويجوز أن يكون ﴿وَاحِدًا﴾ حالًا ﴿إِلَهًا﴾ توطئةً، والفائدة: التنصيصُ على أن معبودهم واحدٌ، ونفيُ التوهُّم الناشئ (¬٤) من تكرير المضاف، وأمَّا النصبُ على الاختصاص فيردُّه نصُّ النُّحاة على أن المنصوب على الاختصاص لا يكون نكرةً ولا مبهَمًا.
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ حال من فاعل ﴿نَعْبُدُ﴾ أو مفعولِه، أو منهما، ويجوز أن يكون جملةً معطوفةً على ﴿نَعْبُدُ﴾ أو اعتراضيةً.