ويُطَهِّر نفوسكم، ويمحصها لله بوعظه وإرشاده، حتى يكون عملكم خالصًا، لوجه الله - تعالى - وتتلاقى القلوبُ على محبة ورضوان من الله، وتكونوا - دائمًا - في نصرة دين الله، ويعلمكم كتاب الله وما فيه: من أُصول التوحيد، وشعائر الدين، ومناهج الخُلُقِ الفاضل ليكون كل ذلك دستورًا لكم، ويعلمكم الحكمة، وهي: سنة الرسول ﷺ كما قال الإمام الشافعي.
ومن معاني الحكمة: إصابة الحق والصواب.
وما من شك في أن فهم القرآن والسنة والعمل بهما، يُنَمِّي في المؤمن موهبة الحكمة التي تهديه إلى الصواب، فيما يتعرض له من مشكلات.
فاذكروني بالطاعة واللسان، أذكركم بالثواب وبالثناء في الملإِ الأعلى. وإن نعم الله المتوالية عليكم: تستدعي أن تلهج ألسنتكم بذكر الله - تعالى - وتنفعل جوارحكم بطاعته.
ومن كرمه - تعالى - إكرامه الذين يذكرونه: بذكره إياهم.
عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ في حديث قدسي عن الله - عزل وجل -:
يقول الله تعالى: "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا مَعَهُ حين يذكرني. فإن ذكرني في نفسِه، ذكرتُهُ في نفسي، وإن ذكرني في ملإٍ، ذكرته في ملإٍ خيرٍ منه" (¬١).
والذكر من العبد: يكون بالأقوال والأفعال الخالصة، ومن الرب: بحسن المكافأة.
﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ أي: اشكروا نعمي عليكم. ومن أجَلِّها أنني أرسلت فيكم رسولًا منكم يزكيكم، ويعلمكم، ويهديكم إلى الله.
وشكر المُنعم واجب.
والشكر يكون: بتوجيه الجوارح إلى ما خلقها الله له، وبذلك المال فيما أباحه وندب إليه، ونشر العلم فيما ينفع، لوجه الله - تعالى - فشكر العالم: نشر العلم، وشكر القوي: مساندة الضعيف، وشكر الغني: الصدقة، وشكر الحاكم: العدل والتواضع. وهكذا.
وقد وعد الله الشاكرين بموالاة نعمه عليهم: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (¬٢).
﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ أي: ولا تكفروا نعمي بجحدها أو منع زكاتها، أو ترك طاعة الله شكرًا له عليها، فإن العقاب على ذلك شديد.
وقد أعطى الله قارون المال الوفير، فلما ادَّعَى أنه ناله بجهوده وعلمه، و ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (¬٣) خسف الله به وبداره الأرض. ولما أعطى الله - سبحانه - سليمان ﵇ ملكه الواسع، قال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ (¬٤) فشكر الله، فَحَفِظَ عليهِ نعمتَه.
يُعِدُّ الله المسلمين لما سيواجهونه من الفتن والمحن والحروب، ويدربهم تدريبًا نفسيًا على ملاقاة الشدائد، واحتمال الأهوال، فيأمرهم ﷾، أن يستعينوا على خوض غمار الأحداث والمحن بسلاحين رئيسيين، هما: الصبر والصلاة.
أما الصبر، فيكون برياضة النفس على احتمال المكاره، وقمع الشهوات، وملاقاة النكبات، مع التسليم لله بقضائه، وانتظار فرجه، والرضا بحكمه.
وبعض المفسرين يقسم الصبر إلى ثلاثة أنواع: صبر على ترك المحارم، وصبر على فعل الطاعات، وصبر على المكاره والنوازل.
ومن أهم مواطن الصبر: الصبر عند لقاء العدو جهادًا في سبيل الله.
ولهذان كان ثواب الصابرين غير محدود: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (¬١).
ولأهمية الصبر: ورد ذكره في القرآن، في نحو سبعين موضعًا، وأورد ابن القيم الجوزية في كتابه: "عدة الصابرين" أكثر من عشرين فضيلة للصبر.
وأما الصلاة: فهي: أُم العبادات، ومعراج المؤمنين إلى منازل الصالحين. واستغراق المؤمن فيها، علاج لما قد يتعرض له من أخطار الحياة، لأَن المؤمن الذي يستعين فيها بالله