﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ﴾ يقال: هَزِئْتُ واستَهْزَأتُ، نحو: أجَبْتُ واستَجَبْتُ، والصحيحُ أنَّ الاستهزاءَ: ارتيادُ الهُزءِ، وإنْ كان قد يُعبَّر به عنهُ، وكذا الاستجابةُ في الأصل معناها مخالفٌ للإجابةِ، وإنْ كان قدْ يجري مجراها، كذا قال الراغب (¬١).
لمَّا ذَكرَ استِهزاءَهم بالمؤمنينَ استأنفَ الكلام إظهارًا للسُّخط، وإنَّما قال: ﴿يَسْتَهْزِئُ﴾ ليدلَّ على دوامِ تجدُّد الاستهزاءِ وقتًا فوَقتًا، وفي الجملة الاسميَّةِ والخبر
الفعليِّ مع المعنى المذكورِ تقوِّي الإسنادِ؛ لتكرُّره والتخصيصِ؛ أي: هو الذي يتولَّى الاستهزاءَ بهم - خاصةً - الاستهزاءَ الأبلغَ الأقوى الذي يكونُ استهزاؤُهم بالنِّسبة إليه كلَا استهزاءٍ، ولا يُحْوجُ المؤمنينَ إلى معارضتهم.
﴿بِهِمْ﴾ ذُكِر هاهنا لعدم الدَّاعي إلى الحذف، بخلافِ ما تقدم، فإنَّ فيه باعثًا لَفظيًّا وهو المحافظةُ على الفاصلة، وداعيًا مَعنويًّا وهو تحرُّجُهم من إبلاع المؤمنينَ، وإبقاءُ اللفظِ محتمَلًا ليكونَ لهم مجالُ التَّوجيهِ عندَ الحاجةِ إليه، والمعنى: أنَّه تعالى عاملَهم في الدُّنيا على وَفقِ معامَلَتِهم، فإنَّهم أظهَروا الإيمانَ وفي باطنهم النِّفاقُ، واللهُ تعالى أظهرَ لهم في الحال الأمانَ، وعاقبتُهم الإحراقُ (¬١) بالنيران، وعلى هذا يكونُ الكلامُ المذكورُ من قَبيل الاستعارةِ التبعيَّةِ.
وقيل: إنَّ معناه: يُجازيهِم في الآخرة جزاءَ استهزائهم، والعربُ تُسمِّي الجزاءَ باسم الابتداءِ، قال عمرو بن كلثومٍ:
ولا يزالُ يُفعَل بهم كذلكَ والمؤمنونَ يضحكونَ منهم، قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩]. إلى أنْ قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤] (¬١). وعلى هذا يكون التجوُّزُ في إسناد الاستهزاءِ إلى الله تعالى.
﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾ مِن مَدَّ الجيشَ وأَمدَّهُ: إذا زادَه وأَلحقَ به ما يقوِّيهِ ويُكثِّرُه، لا مِن المدِّ في العُمُر فإنَّه يُعدَّى باللَّام كـ (أُمْلِي لهُم)، والحذفُ والإيصالُ خلافُ الأصلِ فلا يُصارُ إليه إلَّا بدليل، وهنا دليل على خلافه، وهو قراءةٍ: (ويُمِدُّهم) (¬٢).
﴿فِي طُغْيَانِهِم﴾ الطغيانُ بالضمِّ والكسْرِ: تجاوُزُ الشَّيء عن مكانه، والمرادُ: غلُوُّهم في الكفرِ وتجاوزُهم الحدَّ في العتوِّ، وإنَّما أُضيفَ إليهم (¬٣) لأنَّه أُريد الطُّغيانُ الذي عُرفَ لهم، واشتُهِر بصُدوره عنهم، فلا دلالةَ في إضافته إليهِم على أنَّه فعلُهم.
﴿يَعْمَهُونَ﴾ في محلِّ النَّصبِ بالحال مِن مفعول (يَمُدُّهم) أو فاعلِ (طغيانِهم).
العَمَه في البَصيرة، والعَمى في البصر، وهو التحيُّر والتَّردُّد، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النمل: ٤].