﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ لمَّا وسَّع الأمرَ على الناس كافةً، وأباح لهم ما في الأرض سوى ما حرَّم عليهم، أَمر المؤمنين منهم أن يتحرَّوا طيبات ما رُزقوا، وقد مرَّ أن الطيِّب أخصُّ من الحلال، وأنْ يقيموا بحقوقها، فقال:
﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ على ما رزقكم وأحلَّ لكم.
ولمَّا تضمَّن الأمرُ الأول الامتنانَ ناسبه الخطاب، وما في الأمر الثاني من التنبيه على أنَّ استحقاقه تعالى للشُّكر ليس لكونه رازقًا لهم ومبيحًا لطيِّبات الرزق فقط، بل لكونه خالقًا للعالَم، وَيندرج (¬١) فيه جميع (¬٢) ما يَستوجب الشكر، اقتضى العُدولَ عن الخطاب إلى الغيبة (¬٣)، وعن التفريع بالفاء إلى العطف بالواو.
﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ فإن عبادته لا تَتمُّ إلا بالشكر، وتقديمُ المفعول لمحافظة الفاصلة كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] إذ لا دخل لمعنى التخصيص في التعليل.
ولك أن تقول: كان الظاهرُ أن يقول: إن كنتم تعرفون أنه مولى النِّعمِ كلِّها، إلا أنه كُني عنه بلازمه، وهو تخصيصُ العبادة إياه تعالى.
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ قرئ: ﴿حَرَّمَ﴾ (حُرِّمَ) و (حَرُمَ) (¬١) بالتخفيف والتشديد و ﴿الْمَيْتَةَ﴾ بالتخفيف وبالتشديد (¬٢)، وكلمة (إنما) قد لا تكون للقَصْر كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ الآية [الأعراف: ٣٣]، فلا حاجةَ إلى أنْ يُقال: إنَّ ما أُبين من حيٍّ في حُكم الميتة بالحديث، وإنَّ المراد قَصْرُ الحرمة على ما ذُكر مما استحَلُّوه لا مطلَقًا (¬٣)، وإنما لم يُسْتَثنَ السمكُ والجرادُ من الميتة، والكبدُ والطِّحال من قوله:
﴿وَالدَّمَ﴾ وإنْ أُحلَّتْ على ما قال رسولُ اللّه ﷺ: "أُحلَّتْ لنا (¬٤) مَيْتَتانِ ودَمَانِ، أمَّا المَيْتَتانِ: فالسَّمَكُ والجرادُ، وأمَّا الدَّمَانِ: فالكَبِدُ والطِّحالُ" (¬٥) بناء على ما يتعارَفُه الناس ويتفاهمُه في العادة.
ولمَّا كان المتبادِرُ من الحرمة المضافةِ إلى العين حرمةَ التصرُّف فيه مطلَقًا زاد عبارة اللحم في قوله:
﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ قرينةً صارفةً عنه دالةً على أنَّ المحرَّم أكلُ العين المذكور لا الانتفاعُ به مطلَقًا حتى يلزمَ انتساخُ النص بالحديث في جلدِ الميتة، وإنما خصَّ اللحم بالذكر لأنَّه معظَمُ ما يؤكل من الحيوان، وسائرُ أجزائه كالتابع له، وهذا الوجهُ أيضًا لا يساعد (¬١) تقديرَ الانتفاع العامِّ للأكل وغيره.
﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: رفع به الصوت عند ذبحه لغير الله تعالى، صنمًا كان أو نارًا أو غيرَ ذلك، وما ذُكر معناه الأصليُّ (¬٢)، على ما نصَّ عليه الجوهري (¬٣).
والهلال: غرَّةُ القمر، إنما سمِّي به لرفعِ الناس أصواتَهم عند رؤيته بالتكبير.
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ﴾ على مضطرٍّ آخرَ بالاستئثار عليه.
﴿وَلَا عَادٍ﴾: سدَّ الجوعة.
﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ في تناوُله، دَلَّ بمفهومه على ثبوت الإثم في تناوله غيرَ مضطرٍّ، وبهذا الاعتبارِ صحَّ تفريعُه على ما تقدَّم، ففيه دلالةٌ على اعتبار المفهوم كما هو مذهب الإمام الشافعي، فإنه لولا اعتبارُه لَمَا صح تصدير الكلام المذكورِ بأداة التفريع.
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: يغفر المعاصيَ، فأَوْلَى أنْ لا يؤاخِذ بما رخَّص فيه، أو: غفورٌ لمَا عسى أن يفرَّط عند العمل بالرُّخصة (¬٤).