ثم قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ أي: اعتاضوا عن الهدى وهو نشر ما في كتبهم من صفة الرسول وذكر مبعثه والبشارة به [¬١] من كتب الأنبياء واتباعه وتصديقه، استبدلوا عن ذلك واعتاضوا عنه بالضلالة وهو تكذيبه والكفر به، وكتمان صفاته في كتبهم ﴿وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾ أي: اعتاضوا عن المغفرة بالعذاب، وهو ما تعاطوه من أسبابه المذكورة.
وقوله تعالى: ﴿فما أصبرهم على النار﴾ يخبر تعالى أنهم في عذاب شديد عظيم هائل، يتعجب [¬٢] من رآهم فيها من صبرهم على ذلك مع [¬٣] شدّة ما هم فيه من العذاب والنكال والأغلال، عياذًا باللَّه من ذلك.
[وقيل معنى قوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ أي: فما أدومهم لعمل المعاصي التي تفضي بهم إلى النار] [¬٤].
اشتملت هذه الآية الكريمة على جمل عظيمة، وقواعدَ عميمة، وعقيدة مستقيمة، كما قال ابن أبي حاتم (¬٩٣٣): حدَّثنا أبي، حدَّثنا عبيد بن هشام الحلبي، حدَّثنا عبيد الله بن عمرو، عن عامر بن شُفَي، عن عبد الكريم، عن مجاهد، عن أبي ذر: أنه سأل رسول اللَّه ﷺ ما الإيمان؟ فتلا عليه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى آخر الآية. قال: ثم سأله أيضًا، فتلاها عليه، ثم سأله فقال: "إذا عملت حسنة أحبها [¬١] قلبك، وإذا عملت سيئة أبغضها [¬٢] قلبك".
وهذا منقطع؛ فإن مجاهدًا لم يدرك أبا ذر فإنه مات قديمًا.
وقال المسعودي: حدَّثنا القاسم بن عبد الرحمن قال: جاء رجل إلى أبي ذر، فقال: ما الإيمان؟ فقرأ عليه هذه الآية ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ حتى فرغ منها. فقال الرجل: ليس عن البر سألتك. فقال أبو ذر: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فسأله عما سألتني عنه [¬٣]، فقرأ عليه هذه الآية، فأبى أن يرضى كما أبيت أن ترضى، فقال له رسول اللَّه، ﷺ، وأشار بيده: "المؤمن إذا عمل حسنة سرته ورجا ثوابها، وإذا عمل سيئة أحزنته وخاف عقابها" (¬٩٣٤).
رواه ابن مردويه وهذا أيضًا منقطع، واللَّه أعلم.
وأئا الكلام على تفسير هذه الآية، فإن اللَّه تعالى لما أمر المؤمنين أولًا بالتوجه إلى بيت المقدس، ثم حوّلهم إلى الكعبة، شق ذلك على نفوس طائفة من أهل الكتاب، وبعض المسلمين، فأنزل الله تعالى بيان حكمته في ذلك، وهو أن المراد إنما هو طاعة اللَّه ﷿ وامتثال أوامره والتوجه حيثما وجه، واتباع ما شرع، فهذا هو البر والتقوى والإيمان الكامل، وليس في لزوم التوجه إلى جهة من المشرق، أو [¬٤] المغرب برٌّ ولا طاعةٌ إن لم يكن عن أمر اللَّه وشرعه، ولهذا قال: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ
أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. الآية كما قال في الأضاحي والهدايا: ﴿لن ينال اللَّه لحومُها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم﴾.
وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: ليس البر أن تصلوا ولا تعملوا، فهذا حين تحول من مكة إلى المدينة، ونزلت الفرائض، والحدود، فأمر اللَّه بالفرائض والعمل بها.
وروي عن الضحاك، ومقاتل نحو ذلك.
وقال أبو العالية: كانت اليهود تُقبل قبل المغرب، وكانت النصارى تقبل قبل المشرق، فقال اللَّه تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ يقول: هذا كلام الإيمان، وحقيقته العمل. وروي عن الحسن، والربيع بن أنس مثله.
وقال مجاهد: ولكن البر ما ثبت في القلوب من طاعة اللَّه ﷿.
وقال الضحاك: ولكن البر و [¬١] التقوى: أن تؤدوا الفرائض على وجوهها.
وقال الثوري: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الآية. قال: هذه أنواع البر كلها، وصدق ﵀؛ فإن من اتصف بهذه الآية، فقد دخل في عرى الإسلام كلها، وأخذ بمجامع الخير كله، وهو الإيمان باللَّه، و [¬٢] أنه لا إله إلا هو، وصدق بوجود الملائكة الذين هم سفرة بين اللَّه ورسله. ﴿والكتاب﴾ وهو اسم جنس يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء حتى ختمت بأشرفها، وهو القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب، الذي انتهى إليه كل خير، واشتمل على كل سعادة في الدنيا والآخرة، ونسخ به كل ما سواه من الكتب قبله، وآمن بأنبياء [¬٣] اللَّه كلهم من أولهم إلى خاتمهم محمد، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين!
وقوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ أي: أخرجه وهو محب له، راغب فيه. نص على ذلك ابن مسعود، وسعيد بن جبير، وغيرُهما من السلف والخلف، كما ثبت في الصحيحين (¬٩٣٥) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى، وتخشى الفقر".