والمعنى: فإذا تطهرت النساءُ - بعد انقطاع الحيض، والاستحمام منه - فلكم أن تباشروهن من المكان الذي أمركم الله باجتنابه - أثناء الحيض - تجنبًا للأَذى.
قاله ابن عباس وغيره.
وقال الزجَّاج: معناه: من الجهات التي يحل فيها أن تقربوا المرأة، ولا تقربوهن من حيث لا يحل، كما إذا كن صائمات أو محرمات. وأُيَّد بأنه لو أراد الفرج لقال: في حيث أمركم الله - لأنه أظهر.
ختم الله الآية الكريمة بتأكيد حُبِّه للتائبين المبالغين في التوبة، فيما عسى أن يصدر منهم من الذنوب، كإتيان الزوجة في الحيض، وحبه للمتطهرين من الأقذار، الحريصين على تنفيذ أوامره ونواهيه.
أخرج أحمد، والترمذي، والنسائي، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مَنْ أتى حَائِضًا فَقَد كَفَرَ بمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ".
والحديث للترهيب، والمقصود: أنه فعل ما يفعله الكافرون.
والمعنى: نساؤُكم موضع إنجاب الذرية لكم، فاتوهن من مكان الإنجاب، كيف شئتم: من الأمام أو من الخلف، أو نائمات على جنوبهن. ولا تعبأُوا بمقالة اليهود، مادمتم تأتونهن في مواضع الحمل، حيث أمركم الله تعالى.
وفسر ابن عباس: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ بأي وقت شئتم من الليل أو النهار.
وسيأتي بيان ذلك.
وليس في الآية دليل على حل وطء الزوجة في دبرها، فإن إباحة إتيانها - كيف شاء الزوج - مقيدة بموضع الحرث، أي موضع إنجاب الذرية وهو القبل. كما أن سبب النزول الذي ذكرناه يدل على ذلك.
ولهذا حرم جمهور الفقهاء إتيان النساء في أدبارهن.
ومما يدل على ذلك: أن الله تعالى حرم إتيانهن في المحيض، لاستقذاره، فكيف يُباح إتيانهن في الأدبار وهي أشد قذارة من مكان المحيض وقت الحيض؟
أَخرج ابن جرير، وابن حاتم، عن سعيد بن جبير: قال: "بينا أنا ومجاهد جالسان عند ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - إذ أتاه رجل فقال: ألا تشفيني من آية الحيض؟ قال: بلى، فقرأ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ إلى ﴿فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾: فقال ابن عباس: من حيث جاء الدم، مِن ثَمَّ أُمِرْتَ أن تَأتِيَ، فقال: كيف بالآية، ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فقال: ويحك، وفي الدبر من حرث؟ لو كان ما تقول حقًا، لكان المحيض منسوخًا، إذا شغل من هنا جئت من ههنا، ولكن أنى شئتم: من الليل والنهار".
وقد جاء التحريم نصًا عن رسول الله ﷺ.
روى أبو داود والنسائي قال رسول الله ﷺ:"مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا".
وروى الإمام أحمد، وابن ماجة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا" إلى غير ذلك من الأحاديث.