العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، وقال: الطواغيت كثيرة، ورؤوسهم خمسة: إبليس لعنه الله، من عبد وهو راض، من دعا الناس إلى عبادة نفسه، من ادعى شيئا من علم الغيب، من حكم بغير ما أنزل الله.
﴿رَبِّهِ﴾ الهاء تعود على الذي وهو نمروذ ﴿آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ﴾ في موضع نصب لأنه مفعول لأجله، وتقديره: لأن آتاه الله، فحذف اللام فاتصل الفعل به. والهاء في ﴿آتاهُ﴾ فيها وجهان:
إما أن تكون عائدة على إبراهيم، أي: أن آتى الله إبراهيم النبوة، وإما أن تعود على ﴿الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ﴾ وهو نمروذ الذي خاصم إبراهيم لأن آتاه الله الملك. ﴿إِذْ قالَ﴾ إذ: ظرف زمان والعامل فيه ﴿تَرَ﴾. والياء في ﴿رَبِّيَ﴾ يجوز فيها التحريك والإسكان، فمن حركها شبهها بالكاف في ﴿رَأَيْتَكَ﴾، ومن سكّنها استثقل الحركة عليها، لأن الحركات تستثقل على حرف العلة.
البلاغة:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ الاستفهام للتعجب، والرؤية قلبية.
﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ عبر بالمضارع لأنه يفيد التجدد والاستمرار. وصيغة ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ تفيد القصر لورود المبتدأ والخبر معرفتين، أي أنه تعالى وحده هو الذي يحيي ويميت.
ويوجد طباق بين يحيي ويميت أو بين المشرق والمغرب.
﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ يشعر التعبير بأن العلة وسبب الحيرة هو كفره، ولو قال: فبهت الكافر لما أدى ذلك المعنى.
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ الاستفهام للتعجب والإنكار ﴿حَاجَّ﴾ جادل ﴿أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ﴾ أي حمله بطره بنعمة الله على ذلك وهو نمروذ.
﴿فَبُهِتَ﴾ تحير ودهش،
وفي الحديث: «إن اليهود قوم بهت»، ﴿الظّالِمِينَ﴾ المعرضين عن قبول الهداية بالنظر فيما يؤدي إلى الحق.
المناسبة:
لما ذكر الله تعالى فيما سبق أن الله ولي الذين آمنوا، وأن الطاغوت ولي الكافرين، أعقبه بذكر نموذج للإيمان ونموذج للطغيان، ليبين تلك القضية ويشهد على صدقها وصحتها، وهو أن إبراهيم وفقه الله للأدلة التي تدحض الشبهات، وأن الملك عمي عن نور الحق، فكانت حججه متهافتة ساقطة، تتردد في ظلمات الشكوك والأوهام، فصارت هذه القصة مثلا للمؤمن والكافر اللذين تقدم ذكرهما (¬١).
التفسير والبيان:
ألم تعلم قصة النمروذ الملك الذي تجبر وادعى الربوبية وهو النّمروذ بن كوش بن كنعان بن سام بن نوح ﵇ ملك زمانه، وعارض إبراهيم في ربوبية الله (¬٢).
والذي حمله على المجادلة: هو الملك وما يعقبه من كبر وبطر وغرور، وهو ملك بابل، وقيل: إنه ملك زمانه، ملك الدنيا بأجمعها، قال مجاهد: وملك الدنيا مشارقها ومغاربها أربعة: مؤمنان وكافران: فالمؤمنان: سليمان بن داود
وذو القرنين، والكافران: نمروذ وبختنصّر (¬١). فالنمروذ الملك لم يشكر النعمة، بل أبطرته، وجعلته يطغى، مع أن النعمة مدعاة الشكر، فجعل ما كان سببا في الطاعة سببا في المعصية.
وهو في رأي ابن عباس ومجاهد وجماعة آخرين: صاحب النار والبعوضة، فهو الذي أضرم النار لإحراق إبراهيم ﵇، وكان إهلاكه لما قصد المحاربة مع الله تعالى: بأن فتح الله تعالى عليه بابا من البعوض، وبعثها على عسكره، فأكلت لحومهم، وشربت دماءهم، ودخلت واحدة منها في دماغه، فأكلته حتى صارت مثل الفأرة، فكان أعز الناس عنده بعد ذلك من يضرب دماغه بمطرقة عتيدة لذلك، فبقي في البلاء أربعين يوما (¬٢).
وكان قوم الملك يعبدون ملوكهم مع آلهتهم، فأحب الملك أن يرجع إبراهيم عن نحلته الجديدة المخالفة لنحلة قومه، وان يعبده وآلهته.
وهذه قصة المجادلة (¬٣):
حينما كسّر إبراهيم ﵇ الأصنام التي تعبد من دون الله، وسفّه عقول عابديها، سأله نمروذ عن ربه الذي يدعو إلى عبادته، فأجابه: ربي الذي يحيي ويميت فهو مصدر الحياة وسبب الممات، أي ينشئ الحياة والموت، فأنكر الملك الطاغية الذي كان أول من تجبر وقال: أنا أحيي بعض البشر بالعفو عمن حكم عليه بالإعدام، وأميت البعض الآخر بالقتل وتنفيذ الحكم المقرر عليه، وأحضر رجلين عفا عن أحدهما، وقتل الآخر، وأخذ أربعة نفر فأدخلهم بيتا وتركهم بدون طعام وشراب، ثم أطعم اثنين فحييا، وترك اثنين فماتا.