وذكر الأصوليون في، هذه الآية: أن إبراهيم ﵇، لما وصف ربه تعالى بالإحياء والإماتة، قصد إلى الحقيقة، وأما النمرود فلجأ إلى المجاز وموّه على قومه، فسلّم له إبراهيم تسليم الجدل، وانتقل معه إلى أمر لا مجاز فيه، وعارضة بالشمس، فبهت الذي كفر.
ويستفاد من الآية أيضا أن الله تعالى لا يشبهه شيء من خلقه، وأن طريق معرفته: ما في الكون من الدلائل القاطعة على توحيده، لأن أنبياء الله ﵈ إنما حاجوا الكفار بمثل ذلك، ولم يصفوا الله تعالى بصفة توجب التشبيه، وإنما وصفوه بأفعاله واستدلوا بها وبآثاره عليه.
﴿أَوْ كَالَّذِي﴾: الكاف إما زائدة، وتقديره: أو الذي مر على قرية على عروشها، وهي خاوية. والذي: في موضع جر، معطوف على قوله: ﴿إِلَى الَّذِي حَاجَّ﴾، وإما للتشبيه، معطوفا على معنى ما تقدمه من الكلام، لأن معنى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ﴾، وألم تر كالذي حاج: واحد. ﴿عَلى عُرُوشِها﴾ في موضع نصب، لأنه بدل من قوله: ﴿عَلى قَرْيَةٍ﴾، ويكون
﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ﴾ جملة اعتراضية. وفسر قوم: ﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ أي ساقطة سقوفها، فلا يكون هناك اعتراض.
﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾: كم: في موضع نصب على الظرفية الزمانية، وتقديره: كم لبثت يوما.
﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ إما أصله: يتسنّن، من قوله: ﴿حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ أي متغير، قلبت النون الثالثة ياء كراهية اجتماع ثلاث نونات، ثم قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار «يتسنّى» ثم حذفت الألف للجزم، فصار: يتسن، وأدخلت عليه هاء السكت، وإما مأخوذ من «تسنّه وسانهت» تفعل من السنة، فيكون المعنى: لم يتغير بمرّ السنين، وأصل سنة: سنهة.
﴿وَلِنَجْعَلَكَ﴾ الواو عطف على فعل مقدر، تقديره: انظر إلى حمارك لتتيقن ما تعجبت منه، حين قلت: أنى يحيي هذه الله بعد موتها، ولنجعلك آية للناس.
البلاغة:
﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ أي موت سكان القرية، مجاز مرسل من قبيل إطلاق المحل وإرادة الحال.
﴿ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً﴾ فيها استعارة الكسوة للحم الذي غطى العظم، كما يستر الجسد باللباس، ثم حذف المشبه به وهو الثوب، وأتى بشيء من لوازمه وهو الكسوة على سبيل الاستعارة المكنية.
المفردات اللغوية:
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ أي عزير الذي مر على ضيعة هي بيت المقدس، راكبا ومعه سلة تين وقدح عصير ﴿خاوِيَةٌ﴾ ساقطة، أو خالية من السكان، والعروش: السقوف، لما خربها بختنصر. ﴿أَنّى يُحْيِي﴾ كيف، وهو استبعاد منه للإحياء بعد الموت، والمراد بالإحياء هنا: العمارة بالبناء والسكان ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ خرابها ﴿فَأَماتَهُ اللهُ﴾ أي جعله فاقدا للحس والحركة والإدراك بدون أن تفارق الروح البدن بتاتا، كما حدث لأهل الكهف ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ أرسله من بعثت الناقة:
إذا أطلقتها من مكانها، وعبر بالبعث دون الإحياء إيذانا بأنه عاد كما كان أولا حيا عاقلا كامل المدارك. ويرى الأطباء أن من الناس من يبقى حيا زمنا طويلا، لكنه يكون فاقد الحس والشعور، وهو المسمى لديهم بالسبات: وهو النوم المستغرق، ومرد كل ذلك إلى قدرة الله بالحفظ مائة سنة أو ثلثمائة سنة أو أكثر أو أقل، وقال القرطبي: وظاهر هذه الإماتة أنها بإخراج الروح من الجسد. ﴿طَعامِكَ﴾ التين ﴿وَشَرابِكَ﴾ العصير ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ لم يتغير مع طول الزمان، والهاء إما للسكت من سانيت، وإما من أصل الكلمة وهي سانهت ﴿وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ﴾ كيف هو، فرآه ميتا وعظامه باقية ﴿وَلِنَجْعَلَكَ﴾ فعلنا ذلك لتعلم ولنجعلك آية على البعث، أي علامة على قدرة
الله ﴿نُنْشِزُها﴾ نرفعها من الأرض ثم نردها إلى أماكنها من الجسد وقرئ «ننشرها» أي نحييها ﴿ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً﴾ فنظر إليها وقد تركبت وكسيت لحما، ونفخ في الجسد الروح، وظهرت عليه علائم الحياة ﴿أَعْلَمُ﴾ علم مشاهدة.
المناسبة:
القصة السابقة لإثبات وجود الله، وهذه القصّة والتي تليها في قوله تعالى:
﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ﴾ لإثبات الحشر والبعث بعد الفناء.
التفسير والبيان:
أرأيت مثل هذا الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها، أي ساقطة جدرانها على سقوفها (¬١)، وهي معطوفة على قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ وهي بمعنى قوله: هل رأيت مثل الذي حاجّ في ربّه. وما هي القرية؟ ومن هو المارّ؟ قيل: إنّه بيت المقدس، والمارّ: هو عزير بن شرخيا، وهو القول المشهور، وقيل: هي دير هرقل على شطّ الدّجلة، والمارّ:
هو أرميا من سبط هارون ﵇. وقيل: إنه الخضر ﵇، وقيل:
اسمه حزقيل بن بوار، وقال مجاهد: هو رجل من بني إسرائيل.
فقال: كيف يعمّر الله هذه القرية بعد خرابها، والمراد استبعاد عمرانها بالبناء والسّكان، بعد أن خربت وتفرّق أهلها، ولكنّه في الوقت نفسه يستعظم قدرة الله تعالى لما رأى شدّة خرابها، فقوله: اعتراف بالعجز عن معرفة طريقة الأحياء، واستعظام لقدرة المحيي.
فجعله الله فاقد الحسّ والحركة مائة عام، مع بقائه حيّا، ثمّ أطلق فيه