فقال له إبراهيم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾﴿فَبُهِتَ﴾ أي: انقطعَ، وقامت عليه الحجة.
فإن قيل: لم انتقلَ إبراهيم عن دليله الأوَّل إلى هذا الدليل الثاني، والانتقال علامة الانقطاع؟
فالجواب: أنه لم ينقطع، ولكنه لمَّا ذكر الدليل الأوَّل وهو الإحياء والإماتة: كان له حقيقةٌ - وهو فعل الله -، ومجازٌ - وهو فعل غيره -، فتعلقَ نمرودُ بالمجاز؛ غلطًا منه أو مغالطةً، فحينئذ انتقل إبراهيم إلى الدليل الثاني؛ لأنه لا مجاز له، ولا يمكن الكافرَ عدولٌ عنه (¬١).
وقيل: بل كان كافرًا، وقالها إنكارًا للبعث، واستبعادًا، فأراه الله الحياة بعد الموت في نفسه، وذلك أعظم برهان.
﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ أي: خالية من الناس.
وقال السُّدِّيُّ: سقطت سُقُفُها -وهي العروش-، ثم سقطت الحيطان على السُّقُف.
﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ﴾ ظاهر هذا اللفظ: إحياء هذه القرية بالعمارة بعد الخراب.
ولكن المعنى: إحياء أهلها بعد موتهم؛ لأنَّ ذلك هو الذي يمكن فيه الشكُّ أو الإنكار؛ ولذلك أراه الله الحياة بعد موته.
والقرية كانت بيت المقدس، لما خرَّبه بُخْتُ نَصَّرَ (¬١).
وقيل: قرية الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوفٌ.
﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ سؤالٌ على جهة التقرير.
﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ استقلَّ مدَّة موته، قيل: أماته الله غُدْوة يوم، ثم بعثه قبل الغروب من يوم آخر بعد مئة عام، فظنَّ أنه يومٌ واحد، ثم رأى بقيَّةً من الشمس فخاف أن يكذب في قوله: ﴿يَوْمًا﴾ فقال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾.
﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ معناه: لم يتغيَّر، بل بقي على حاله طول مئة عام، وذلك أعجوبة إلهية.
واللفظ يحتمل أن يكون مشتقًّا من السَّنَة؛ لأن لامَها هاءٌ.
فتكون الهاء في ﴿يَتَسَنَّهْ﴾ أصليةً؛ أي: لم تغيِّره السّنون.
ويحتمل أن يكون مشتقًّا من قولك: تسنَّنَ الشيءُ: إذا فسد؛ ومنه: «الحمأ المسنون»، ثم قلبت النون حرف علَّةٍ؛ كقولهم: «قَصَّيتُ أظفاري»، ثم حذف حرف العلة؛ للجزم.
والهاء على هذا: هاء السكت.
﴿وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ قيل: بقي حماره حيًّا طول المئة عام، دون علَفٍ ولا ماء.
وقيل: مات، ثم أحياه الله وهو ينظر إليه.
﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ التقدير: فَعَلْنا بك هذا؛ لتكون آية للناس.
وروي: أنه قام شابًّا على حالته يوم مات، فوجد أولاده وأولادهم شيوخًا.