﴿أَوْ﴾: للتخيير والتنويع في التعجيب بين ما جاء في هذه الآية والتي قبلها من العجائب. والكاف بمعنى اسم بمعنى: مثل. مفعول لفعل محذوف دل عليه ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ السابق. والتقدير: أوَ رأيت مثل الذي مر على قرية. والجملة معطوفة بلفظ ﴿أَوْ﴾ على جملة:
﴿قَرْيَةٍ﴾: اسم للموضع الذي يسكن فيه الناس ولو كبيرا، كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا … ﴾ (¬١) وقوله: ﴿لِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى … ﴾ (¬٢).
﴿خَاوِيَةٌ﴾: أي ساقطة من: خوت الدار، إذا سقط بنيانها.
﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾: العرش، السقف. والمراد: أنها متهدمة أو ﴿خَاوِيَةٌ﴾ بمعنى خالية. والمراد حينئذ: أن القرية خالية من أهلها - مع بقائها، قائمة سليمة العروش - لموت أَهلها.
﴿نُنشزُهَا﴾: مضارع أنشز، أي نركب بعضها فوق بعض وننشئها. وقريءَ ﴿نَنْشُرُهَا﴾ بالراء بمعنى: نبعثها إلى الحياة من جديد، من النشر. وهو إعادة الحياة بعد الموت.
تناولت هذه الآية القصة الثانية عن الموت والحياة. فقالت ما معناه: أرأيت يا محمد مثل ذلك الرجل الذي مَرَّ على قرية مات أهلها، وسقطت على سقفها: بأن سقطت العروش أولا، ثم الحيطان عليها! أو المعنى: أنه مر عليها - وهي خالية من أهلها مع بقائها قائمة على عروشها لم تنهدم ولم تسقط - فقال في نفسه متعجبًا، أو بلسان حاله:
﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾:
على معنى: كيف يحيي الله أهل هذه القرية بعد موتهم؟. أو كيف يرد الحياة إلى أهل هذه القرية، بعد الخراب الشامل؟!
والسؤال هنا عن كيفية الإحياء، لا عن وقوعه.
لم يَرِد في القرآن الكريم، ولا في السنة النبوية، ما يعيِّن صاحب هذه القصة، ولا اسم القرية التي مرّ عليها ذلك الرجل، لأن العبرة هنا، في إحياءِ موتاها، لا في اسمها واسم من مرَّ عليها. وإن كان بعض المفسرين قد ذهب إلى أن هذا الرجل نبي، وأنه: عزير بن شرخيا، كما ذهب إلى أن هذه القرية هي التي وردت في قصتها في الآية الكريمة: ﴿أَلِمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ … ﴾ (¬١).
ولعلهم قد استندوا في ذلك إلى ماجاءَ في: العهد القديم. عن هذه القصة، فقد وردت في الإصحاح السابع والثلاثين من سفر حزقيا، على نحو قريب مما جاءَ في الآية المذكورة.
وقيل: هي المؤْتفكة. وقيل: غيرها.
ونحن نفوض الأمر في علمها - وعلم أهلها - إلى علَّام الغيوب، ونسكت عما سكت عنه القرآن الكريم، ولم تشر إليه السنة النبوية المطهرة.
قال تعالى: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾:
جعله الله ميتا مائة سنة، ثم ردَّ إليه الروح، فعادت إليه الحياة بعد تلك المدة الطويلة، وقد أعاده إلى الحياة مهيَّأً للتفكير والتدبر، بدليل هذا الحوار، وطلب منه النظر.
ولم تذكر الآية ما حدث لجثته أثناءَ هذه الفترة. أَبُلِيَتْ وتحللت. أم ظلت محتفظة بتكوينها؟
﴿قَالَ﴾ له الله تعالى: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾؟:
كم مكثت في رقدتك؟ والله يعلم كيف كانت هذه المساءلة. أكانت على لسان ملك جاءَ في صورة بشر، أم كانت على لسان نبي ذلك الزمان، أم كانت إلهامًا نفسيًا، كما حصل لأُم موسى ﵇ أم كان ذلك الرجل نبيًا؟
والسؤَال لم يكن من الله لهذا الرجل مباشرة، لأنه ﷾ يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْيُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ … ﴾ (¬١). وإنما سأله الله هذا السؤال - وهو عالم بجوابه - ليظهر عجزه التام عن الإحاطة بشئون الله تعالى. بل بشئون نفسه هو، وليبين له قدرته تعالى على إحياءِ خلقه.
وقد أجاب ذلك الرجل:
﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾:
مكثت في رقدتي هذه يومًا أو بعض يوم. ولعله قال ذلك، لأَنه لم يشاهد في نفسه، ولا في طعامه تغيرا، حتى يظن أنه مكث مدة طويلة. ولعله ظن أنه كان نائما فقدر زمنين متقاربين، من المحتمل أن يستغرق الإنسان أحدهما في نومه.
﴿قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾:
أي لم تلبث هذا القدر اليسير الذي ظننته. بل مكثت - ميتا - مائة عام، ليظهر الله لك قدرته على ما سألت.