والمعنى: واذكر يا محمد، حين نادى إبراهيم ﵇ ربه، طالبا منه أن يريه - عمليًا - كيفية إحياء الموتى.
والسؤال يدل على أنه يؤمن بإحياء الموتى، ولكنه يطلب رؤية طريقة الإحياءِ عمليًا، ليزداد إيمانًا ويقينًا.
﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن﴾:؟
أي لقد آمنت .. فلماذا تسأل هذا السؤال؟.
﴿قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾:
اعْلَمْ أن الله تعالى عليم بإيمان نبيه وخليله إبراهيم، وليس بحاجة إلى استفهام عنه. لكن الحكمة في ذلك: أن يعلن إبراهيم إيمانه العميق بقدرة الله، حتى لا يتطرق إلى الأذهان، أن إبراهيم حين سأل ذلك - خطر له أي شك في الله.
فالسؤال في الحقيقة: سؤال تقرير.
ولهذا أجابه إبراهيم مؤكدا إيمانه، نافيًا عن نفسه أية خاطرة من الشك أو الارتياب.
فقال: بلى. آمنت. ثم علل سؤاله لربه بحرصه على الاطمئنان القلبي - عن طريق المشاهدة والعيان، إلى جانب طريق الوحي والبرهان - ليزداد ثباتًا فوق ثبات.
أمره الله سبحانه، أن يأخذ أربعةً من الطير، وأن يضمهن إليه، ليتأمل في كل منها فيعرف - معرفة يقينية - مميزات كل طائر عن غيره، حتى إذا ذبحها وفرق أجزائها - مختلطة على الجبال التي حوله - ضَمَّ الله أجزاء كل طائر، وأعاده إلى ما كان عليه: جسمًا وصورة وحركة.
ويروي: أن كل طير كان من نوع يخالف نوع الآخر.
وقال أبو السعود: وناهيك بالقصة دليلا على فضل الخليل، ويُمْنِ الضراعة في الدعاء، وحسن الأدب في السؤال، حيث أراه الله تعالى ما سأل - في الحال - على أيسر ما يكون من الوجوه. ا. هـ.
ولما كانت هذه القصص الثلاث، مسوقة للدلالة على قدرة الله على بعث الموتى وإحيائهم للحساب والجزاء - ختمها مخاطبًا كل مكلف بقوله:
﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾:
أي واعلم أيها المكلف - بعد تلك الحجج القاطعة - أن الله تعالى غالب لا يعجزه شيٌ أراده. حكيم في أفعاله.
وإذا كان الأمر كذلك، وجب الإيمان بالبعث، وإدراك الحكمة فيه، وهي: أن يجزي الله المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.