مِن أحسن الأموال على أحسن الوجوه، فهو تأكيد للشرطيَّة السابقة. أو: ما يُخلَفُ المنفِق استجابةً لدعوة الملَك القائل: "اللهمَّ اجْعَلْ لمنفقٍ خَلَفاً ولممسِكٍ تَلَفاً" (¬١).
روي: أن ناساً من المسلمين كانت لهم أصهارٌ ورَضاعٌ في اليهود، وكانوا ينفقون عليهم، فكرهوا لمَّا أسلموا أن يُنفقوهم فنزلت (¬٢).
واختُلف في الواجب، فجوَّز أبو حنيفة صرفَ صدقة الفطر إلى أهل الذمَّة وأباه غيرُه.
﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ جملةٌ حاليةٌ؛ أي لا تُنقَصون شيئاً مما وعد من الثواب جزاءً لأعمالكم، فإن نقص الأجر الموعود ظلمٌ وإن لم يكن نقصُ الثواب مطلَقاً ظلماً.
﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾: ذهاباً فيها للكسبِ، تقول: ضربتُ في الأرض ضرباً، إذا سرتَ فيها؛ أي: يكرهون المسير لأجله؛ لئلا يفوتهم صحبةُ رسول اللّه ﷺ والخروجُ في سريةٍ، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١]؛ أي: يكرهون سماعه ولهم آلاتُ السماع، ولا يخفى أن هذا المعنى أبلغ في وصفهم مما قيل: لا يستطيعون لاشتغالهم بالجهاد.
وقيل: هم أهل الصُّفَّة، وكانوا نحواً من أربع مئةٍ من فقراء المهاجرين يسكنون صُفَّة المسجد، يستغرقون أوقاتهم بالتعلُّم والعبادة، وأقواتُهم من فضل الأغنياء، وكانوا يخرجون في كلِّ سريَّةٍ بعثها رسول اللّه ﷺ.
﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ﴾ بحالهم ﴿أَغْنِيَاءَ﴾.
وإنما قال: ﴿مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ - أي: من أجْل تعفُّفهم عن السؤال - دفعاً لاحتمالِ أن يكون حسبانُه من الأغنياء لكونه من الأغنياء.
وفي إطلاق اسم الجاهل عليه على الإطلاق ما لا يخفى من الذمِّ، وذلك الاستحقاقُ لأن الغافل عن حالهم لا يكون من أهل الصحبة والوفاق.
والتعفُّف: تفعُّلٌ من العِفَّة، يقال: عف عن الشيء، إذا أمسك عنه وتَنزَّه عن طلبه.
﴿تَعْرِفُهُمْ﴾ الخطاب لمن يستحقُّ التوصيف بعرفانهم من الأصحاب، ومَن حذا حَذْوَهم في سلوك طريق الصَّواب (¬١).
﴿بِسِيمَاهُمْ﴾: بعلامتهم من صُفرة الوجه ورثاثةِ الحال، لا خفاءَ في أن لسان
أي: لا ضبَّ ولا انجِحارَ، ولا يخفى أن هذا المعنى أَدخَلُ في التعفُّف وفي أن يُحسَبوا أغنياء، فيكونُ أنسبَ للمقام، وأجلبَ لمزيدِ حُسْنٍ في الكلام، كيف وفي هذا النوع من التركيب دقيقةٌ أنيقة (¬٣)؟ وهي أنه لمَّا جعل نفي الأول تمهيداً لنفي الثاني جعل الأول مسلَّماً لا نزاع فيه، إذ من حق الدليل أن يكون أوضح من المدلول، ولهذا قال ابن عباس ﵄ في تفسيره: لا يَسألون الناس إلحافاً ولا غيرَ إلحافٍ (¬٤).
وقيل: تُرك غيرُ الإلحاف ذكراً للإيماء إلى إطلاق السؤال عند الحاجة، ورفعِ الإثم عمَّن فعله مُضطرًّا (¬٥).
والإلحاف: لزوم السؤال، من اللِّحاف الذي يُلازم الملتحِفَ به.