إن لم يكن حاضرًا، فإن آيس من وجوده فليتصدق بذلك عنه، وإن أخذه بظلم، فليفعل كذلك في أمر من ظلمه، فإن التبس عليه الأمر، ولم يَدْرِ كَمَّ (¬١) الحرام من الحلال مما بيده، فإنه يتحرى قدر ما بيده، مما يجب عليه رده، حتى لا يشك في أن ما يبقى قد خلص له، فيرد مِنْ ذلك الذي أزال عن يده، إلى من عرف ممن ظلمه، أو أربى عليه. فإن آيس من وجوده، تصدق به عنه، فإن أحاطت المظالم بذمته، وعلم أنه وجب عليه من ذلك ما لا يطيق أداءَه أبدًا لكثرته، فتوبته: أن يزيل ما بيده أجمع: إما إلى المساكين، وإما إلى ما فيه صلاح المسلمين، حتى لا يبقى في يده إلا أقل ما يجزئه في الصلاة من اللباس -وهو ما يستر العورة، وهو من سرته إلى ركبته- وقوت يومه، لأنه هو الذي يجب له أن يأخذه من مال غيره إن اضطر إليه، وإن كره ذلك من يأخذه منه - الخ ما قال:
راجع القرطبي في الآية ففيها معلومات نفيسة.
المفردات:
(وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ): العسرة: ضيق الحال، وقلة المال: أي وإن كان ذو ضيق وعسر مال مدينًا لكم.
(فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ): أي فيجب إنظاره وإمهاله إلى ميسرة، وسعة في المال.
روى أن ثقيفًا لما طلبوا أموالهم من بني المغيرة، شكا بنو المغيرة العسرة. وقالوا: ليس لدينا مال ندفعه لكم، فأمهلونا إلى وقت طيب الثمار، فأبوا أن يمهلوهم، فنزلت الآية بوجوب إنظار المعسر.
المعنى: وإن كان ذو ضيق وعسر مالي مدينًا لكم، فيجب عليكم إنظاره وإمهاله إلى ميسرة بحقكم فلا تضيقوا عليه بالمطالبة في عسرته، وانتظروا وقت الفرج فطالبوه.
ما يستنبط من الأحكام:
استنبط العلماءُ من هذه الآية: وجوب إنظار المعسر حتى ييسر الله عليه، سواء أكان مدينًا في دين ربا أو غيره، لأن الآية برفع (ذُو عُسْرَةٍ) معناها: وإن وقع وحدث ذو عسرة من الناس أجمعين. ولو كان في الربا خاصة، لقيل في الآية: وإن كان ذا عسرَةَ بالنصب، إذ يكون المعنى حينئذ، وإن كان الذي عليه الربا ذا عسرة. وبهذا الرأي أخذ عطاءٌ والضحاك، والربيع بن خيثم، والحسن، وابن عباس في رواية عنه.
وقيل: لا يجب إنظار المعسر إلا في دين الربا خاصة، واستدلوا بقراءة النصب؛ (وَإِنْ كَانَ ذَا عُسْرَةٍ) وحملوا عليها قراءة الرفع، وتقدير الكلام على هذا الوجه في قراءة الرفع: وإن كان ذو عسرة مدينًا لكم يا أصحاب الربا. وفي قراءة النصب: وإن كان المدين لكم أيها المرابون ذا عسرة فأمهلوه إلى ميسرة: وعلى هذا الرأي شريح وإبراهيم النخعي، وابن عباس في رواية أخرى عنه، ومما احتجوا به قوله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا" (¬١).
ويقول أصحاب هذا الرأي: إن المدين في غير دين الربا، لا يقبل منه القول بالإعسار بل يحبس حتى يؤَديَ ما عليه، قال ابن عطية: ومحل هذا: إذا لم يكن فقر مدقع. وأما مع العُدْم والفقر الصريح، فالحكم هو النَّظِرَةُ ضرورة (¬٢).
والراجح أن لا يحبس المعسر، لما رواه أهل الحديث واللفظ لمسلم، عن أبي سعيد الخدري: أنه قال: "أُصيب رجلٌ في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها، فكثر دينه فقال رسول الله ﷺ: "تصدقوا عليه". فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاءَ دينِه، فقال رسول الله ﷺ لغرمائه: "خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك".
وعند أبي داود: "فلم يزد رسول الله ﷺ غرماءَه على أن خلع لهم ماله". أي أعطاهم ما عنده.
فقد دل هذا الحديث على أن الرسول لم يأمر بحبس هذا المدين المعسر، وهو معاذ بن جبل، كما قال شريح، إذ الحبس لا فائدة منه للدائن، كما لم يأمره أن يكتسب ليسد دينه.
ومن لم يتبين عسره وشُك في يسره، يحبسه القاضي حتى يتبين عُدمه وفقره، قال بذلك: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، فإن صح عسرهُ، فلا يحبس.
وقد استفيد من هذا الحديث: أن من كثرت ديونه وطلب غرماؤُه مالهم، فللحاكم أن يخلعه من كل ماله، ولكن يترك له ما كان ضروريًا له، روى نافع عن مالك: أنه لا يترك له إلا ما يواريه.
والمشهور -كما قال القرطبي- أن يترك له كسوته المعتادة، ما لم يكن له فيها فضل، ولا ينزع عنه رِدَاؤُه إن كان ذلك مُزْرِيًا به، ولا يترك له مسكن ولا خادم، ولا ثوب جمعة، ما لم تقل قيمتها، وعند هذا يحرم حبسه (¬١).
المعنى: وأن تتصدقوا على المعسر بكل مالكم عليه أو يبغضه، خير وأكثر ثوابًا لكم من إنظاره، إن كنتم تعلمون ذلك فافعلوه، فإن المعسر بحاجة إلى البر والمعونة أكثر من الإمهال، ليسد عوزه ويطعم أهله من جوع، ويكسوهم من عُرْي.
وفي قوله تعالى: (إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) حض لهم على الصدقة بعظم أثرها.