الوجود إلا الله، وأَنْتَ في موضع نصب تأكيد للضمير في إِنَّكَ، أو في موضع رفع على الابتداء.
والْعَلِيمُ خبره، والجملة خبر «إن» ، أو فاصلة لا موضع لها من الإعراب. والْعَلِيمُ معناه: العالم، ويزيد عليه معنى من المبالغة والتكثير من المعلومات في حق الله ﷿.
والْحَكِيمُ معناه الحاكم، وبينهما مزية المبالغة، وقيل: معناه المحكم كما قال عمرو بن معديكرب: [الوافر] .
أمن ريحانة الداعي السميع أي المسمع، ويجيء الْحَكِيمُ على هذا من صفات الفعل.
وقال قوم: الْحَكِيمُ المانع من الفساد، ومنه حكمة الفرس مانعته، ومنه قول جرير: [الكامل] .
أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم ... إني أخاف عليكم أن أغضبا
أَنْبِئْهُمْ معناه أخبرهم، وهو فعل يتعدى إلى مفعولين أحدهما بحرف جر وقد يحذف حرف الجر أحيانا، تقول نبئت زيدا.
قال سيبويه: معناه نبئت عن زيد. والضمير في أَنْبِئْهُمْ عائد على الملائكة بإجماع، والضمير في أسمائهم مختلف فيه حسب الاختلاف في الأسماء التي علمها آدم.
قال أبو علي: «كلهم قرأ «أنبئهم» بالهمز وضم الهاء، إلا ما روي عن ابن عامر، «أنبئهم» بالهمز وكسر الهاء، وكذلك روى بعض المكيين عن ابن كثير، وذلك على إتباع كسرة الهاء لكسرة الباء، وإن حجز الساكن فحجزه لا يعتد به» .
قال أبو عمرو الداني: «وقرأ الحسن والأعرج: «أنبيهم» بغير همز» .
قال ابن جني: «وقرأ الحسن «أنبهم» ، على وزن «أعطهم» ، وقد روي عنه، «أنبيهم» بغير همز» .
قال أبو عمرو: «وقد روي مثل ذلك عن ابن كثير من طريق القواس» .
قال أبو الفتح: أما قراءة الحسن، «أنبهم» «كأعطهم» ، فعلى إبدال الهمزة ياء، على أنك تقول «أنبيت» كأعطيت، وهذا ضعيف في اللغة، لأنه بدل لا تخفيف والبدل عندنا لا يجوز إلا في ضرورة شعر.
قال بعض العلماء: إن في قوله تعالى: فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ نبوة لآدم ﵇، إذ أمره الله أن ينبىء الملائكة بما ليس عندهم من علم الله ﷿.
قال الكسائي: «رأيت العرب إذا لقيت عندهم الياء همزة فتحوها» .
قال أبو علي: «كان أبو عمرو يفتح ياء الإضافة المكسور ما قبلها عند الهمزة المفتوحة والمكسورة، إذا كانت متصلة باسم، أو بفعل، ما لم يطل الحرف فإنه يثقل فتحها، نحو قوله تعالى: وَلا تَفْتِنِّي أَلا [التوبة: ٤٩] وقوله تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة: ١٥٢] ، والذي يخف: إِنِّي أَرى [الأنفال:
وقوله تعالى: أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ معناه: ما غاب عنكم، لأن الله لا غيب عنده من معلوماته وما في موضع نصب «بأعلم» .
قال المهدوي: ويجوز أن يكون قوله أَعْلَمُ اسما بمعنى التفضيل في العلم، فتكون ما في موضع خفض بالإضافة.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق ﵁: فإذا قدر الأول اسما فلا بد بعده من إضمار فعل ينصب غَيْبَ، تقديره إني أعلم من كل أعلم غيب، وكونها في الموضعين فعلا مضارعا أخصر وأبلغ.
واختلف المفسرون في قوله تعالى: ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فقالت طائفة: ذلك على معنى العموم في معرفة أسرارهم وظواهرهم وبواطنهم أجمع.
وحكى مكي أن المراد بقول ما تُبْدُونَ قولهم: أَتَجْعَلُ فِيها الآية.
وحكى المهدوي أن ما تُبْدُونَ قولهم: ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق أعلم منا ولا أكرم عليه، فجعل هذا مما أبدوه لما قالوه.
وقال الزهراوي: «ما أبدوه هو بدارهم بالسجود لآدم» .
واختلف في المكتوم فقال ابن عباس وابن مسعود: المراد ما كتمه إبليس في نفسه من الكبر والكفر، ويتوجه قوله تَكْتُمُونَ للجماعة والكاتم واحد في هذا القول على تجوز العرب واتساعها، كما يقال لقوم قد جنى سفيه منهم: أنتم فعلتم كذا، أي منكم فاعله.
قال القاضي أبو محمد ﵀: وهذا مع قصد تعنيف، ومنه قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [الحجرات: ٤] وإنما ناداه منهم عيينة، وقيل الأقرع، وقال قتادة:
المكتوم هو ما أسره بعضهم إلى بعض من قولهم: ليخلق ربنا ما شاء، فجعل هذا فيما كتموه لما أسروه، - وَإِذْ من قوله: وَإِذْ قُلْنا معطوف على إِذْ المتقدمة.
وقول الله تعالى وخطابه للملائكة متقرر قديم في الأزل، بشرط وجودهم وفهمهم، وهذا هو الباب كله في أوامر الله سبحانه ونواهيه ومخاطباته وقُلْنا كناية العظيم عن نفسه بلفظ الجمع، وقوله للملائكة عموم فيهم.
وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: «للملائكة اسجدوا» برفع تاء للملائكة اتباعا لضمة ثالث المستقبل.
قال أبو علي: «وهذا خطأ» .
وقال الزجاج: «أبو جعفر من رؤساء القراءة ولكنه غلط في هذا» .
قال أبو الفتح: لأن الملائكة في موضع جر فالتاء مكسورة كسرة إعراب، وهذا الذي ذهب إليه أبو جعفر إنما يجوز إذا كان ما قبل الهمزة حرفا ساكنا صحيحا، نحو قوله تعالى: وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ [يوسف: ٣١] والسجود في كلام العرب الخضوع والتذلل، ومنه قول الشاعر [زيد الخيل] : [الطويل]
ترى الأكم فيه سجّدا للحوافر
وغايته وضع الوجه بالأرض، والجمهور على أن سجود الملائكة لآدم إيماء وخضوع، ذكره النقاش وغيره، ولا تدفع الآية أن يكونوا بلغوا غاية السجود.
وقوله تعالى: فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ [الحجر: ٢٩] لا دليل فيه لأن الجاثي على ركبتيه واقع.
واختلف في حال السجود لآدم، فقال ابن عباس: «تعبدهم الله بالسجود لآدم، والعبادة في ذلك لله» .
وقال علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس: «إنما كان سجود تحية كسجود أبوي يوسف ﵇، لا سجود عبادة» .
وقال الشعبي: «إنما كان آدم كالقبلة، ومعنى لآدم إلى آدم» .
قال القاضي أبو محمد ﵀: وفي هذه الوجوه كلها كرامة لآدم ﵇.
وحكى النقاش عن مقاتل: «أن الله إنما أمر الملائكة بالسجود لآدم قبل أن يخلقه» .
قال: «والقرآن يرد على هذا القول» .
وقال قوم: سجود الملائكة كان مرتين، والإجماع يرد هذا.
وقوله تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ نصب على الاستثناء المتصل، لأنه من الملائكة على قول الجمهور، وهو ظاهر الآية، وكان خازنا وملكا على سماء الدنيا والأرض، واسمه عزازيل، قاله ابن عباس.
وقال ابن زيد والحسن: «هو أبو الجن كما أن آدم أبو البشر، ولم يكن قط ملكا» .
وقد روي نحوه عن ابن عباس أيضا، قال: «واسمه الحارث» .
وقال شهر بن حوشب: كان من الجن الذين كانوا في الأرض وقاتلتهم الملائكة فسبوه صغيرا، وتعبد وخوطب معها، وحكاه الطبري عن ابن مسعود. والاستثناء على هذه الأقوال منقطع، واحتج بعض أصحاب هذا القول بأن الله تعالى قال صفة للملائكة: «لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ» .
ورجح الطبري قول من قال: «إن إبليس كان من الملائكة» . وقال: «ليس في خلقه من نار ولا في