عن الاعتبار وعدم الاتعاظ ﴿فَهِيَ كَالْحِجارَةِ﴾ تشبيه مرسل مجمل، لأن أداة الشبه مذكورة، ووجه الشبه محذوف.
﴿لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ﴾ مجاز مرسل أي ماء الأنهار من قبيل إطلاق المحل وإرادة الحال فيه.
المفردات اللغوية:
﴿هُزُواً﴾: مهزوءا بنا أو سخرية، حيث تطلب منا ذبح بقرة. ﴿أَعُوذُ﴾ أمتنع ﴿الْجاهِلِينَ﴾ المستهزئين في موضع الجد.
﴿لا فارِضٌ﴾ مسنة. ﴿وَلا بِكْرٌ﴾ فتية صغيرة ﴿عَوانٌ﴾ نصف بين الصغيرة والكبيرة ﴿بَيْنَ ذلِكَ﴾ المذكور من السنين ﴿ما تُؤْمَرُونَ﴾ به من ذبحها.
﴿فاقِعٌ لَوْنُها﴾ شديدة الصفرة ﴿تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ إليها بحسنها، أي تعجبهم.
﴿ما هِيَ﴾ أسائمة أم عاملة ﴿إِنَّ الْبَقَرَ﴾ جنسه المنعوت بما ذكر ﴿تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ لكثرته، فلم نهتد إلى المقصود ﴿إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ إليها،
ورد في الحديث النبوي: «لو لم يستثنوا-أي يقولوا: إن شاء الله-لما بينت لهم آخر الأبد».
﴿لا ذَلُولٌ﴾ ليست مذللة بالعمل. ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ تقلبها للزراعة أي تحرث الأرض والجملة صفة ذلول، داخلة في النفي ﴿وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ الأرض المهيأة للزراعة ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ سليمة من العيوب وآثار العمل ﴿لا شِيَةَ﴾ لا لون غير لونها، ولا لمعة فيها من لون آخر، سوى الصفرة، فهي صفراء كلها، حتى قرنها وظلفها، وهي في الأصل مصدر: وشى وشيا: إذا خلط بلونه لونا آخر. ﴿قالُوا: الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ نطقت بالبيان التام، فطلبوها فوجدوها عند الفتى البار بأمه، فاشتروها بملء جلدها ذهبا ﴿فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ لغلاء ثمنها،
ورد في الحديث النبوي: «لو ذبحوا أي بقرة كانت، لأجزأتهم، ولكن شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم».
﴿فَادّارَأْتُمْ﴾ تدارأتم بمعنى تخاصمتم وتدافعتم ﴿وَاللهُ مُخْرِجٌ﴾ مظهر ﴿تَكْتُمُونَ﴾ من أمرها.
﴿اِضْرِبُوهُ﴾ القتيل. ﴿بِبَعْضِها﴾ فضرب بلسانها أو عجب ذنبها، فحيي وقال: قتلني فلان وفلان وكانا ابني عمه، فحرما الميراث وقتلا. ﴿تَعْقِلُونَ﴾ تتدبرون فتعلمون أن القادر على إحياء نفس واحدة، قادر على إحياء نفوس كثيرة فتؤمنون.
ترتبط هذه الآيات بما قبلها التي ذكر فيها بعض جرائم اليهود، من نقض الميثاق، والاعتداء في السبت، والتمرد في تطبيق التوراة، فهي استمرار في تعداد مساوئهم، وهي مخالفتهم الأنبياء ومعاندة الرسل ﵈، والتلكؤ في امتثال أوامر الله تعالى.
سبب القصة:
روى ابن أبي حاتم عن عبيدة السلماني قال: «كان رجل من بني إسرائيل عقيما لا يولد له، وكان له مال كثير، وكان ابن أخيه وارثه، فقتله، ثم احتمله ليلا، فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يدعيه عليهم، حتى تسلحوا وركب بعضهم على بعض.
فقال ذوو الرأي منهم والنّهى: علام يقتل بعضكم بعضا، وهذا رسول الله فيكم؟ فأتوا موسى ﵇، فذكروا ذلك له، فقال: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً.﴾. قال: فلو لم يعترضوا لأجزأت عنهم أدنى بقرة، ولكنهم شددوا، فشدد عليهم، حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها، فوجدوها عند رجل ليس له بقرة غيرها.
فقال: والله، لا أنقصها من ملء جلدها ذهبا، فأخذوها بملء جلدها ذهبا، فذبحوها، فضربوه ببعضها، فقام، فقالوا: من قتلك؟ فقال: هذا- لابن أخيه، ثم مال ميتا، فلم يعط من ماله شيئا، فلم يورث قاتل بعد (¬١)، و
واذكروا أيها اليهود وقت قول موسى لقومه أسلافكم: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ أي بقرة كانت، فلم يمتثلوا، وشددوا، فشدد الله عليهم. وقالوا:
أتهزأ بنا يا موسى، نسألك عن أمر القتل، فتأمرنا بذبح بقرة! قال: ألتجئ إلى الله من الهزء والسخرية بالناس في موضع الجد، إذ هو في مقام تبليغ أحكام الله دليل السفه والجهل.
فلما رأوه جادا، سألوه عن صفاتها المميزة لها، وأكثروا من الأسئلة، فسألوه عن سنها، فقال لهم: إنها ليست صغيرة ولا كبيرة، بل وسط بين الأمرين، فامتثلوا الأمر، ولا تشدّدوا فيشدد الله عليكم.
ولكنهم تعنتوا، فسألوه عن لونها، فقال: إنها صفراء شديدة الصفرة تسر الناظر إليها، فلم يكتفوا بذلك، بل طالبوا بأوصاف مميزة أخرى، وقالوا معتذرين: إن البقر كثير متشابه علينا، وإنا إن شاء الله لمهتدون إلى المطلوب،
روي أنه ﷺ قال: «لو لم يستثنوا ويقولوا: إن شاء الله، لما تبينت لهم آخر الأبد».
قال: إن الله يقول: إنها بقرة لم تذلل بالعمل في الحراثة والسقي، وهي سالمة من العيوب، ولا لون فيها غير الصفرة الفاقعة.
قالوا: إنك الآن جئت بإظهار الحقيقة الواضحة. فطلبوها، فلم يجدوها إلا عند يتيم صغير بار بأمه، فساوموه، فتغالى، حتى اشتروها بملء جلدها ذهبا.
وما كان امتثالهم قريب الحصول. قال ابن عباس: «لو ذبحوا أي بقرة أرادوا لأجزأتهم، ولكن شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم».
واذكروا أيها اليهود المعاصرون حين قتلتم نفسا، وهذا من قبيل التأخير لفظا والتقديم معنى للتشويق في معرفة سبب ذبح البقرة، وأسند القتل إلى