عن أبيه، عن جدّه، عن ابن عباس ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم﴾، والغشاوة على أبصارهم.
وقال (¬١٢٢) و [¬١] حدَّثنا القاسم، حدَّثنا الحسين -يعني ابن داود وهو سنيد- حدثني حجاج - وهو ابن محمد الأعور - حدّثني ابن جريج قال: الختم على القلب والسمع، والغشاوة على البصر، قال الله تعالى: ﴿فإن يشأ الله يختم على قلبك﴾، وقال: ﴿وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة﴾.
قال ابن جرير: ومن نصب غشاوة من قوله تعالى: ﴿وعلى أبصارهم غشاوة﴾، فيحتمل [¬٢] أنه نصبها بإضمار فعل، تقديره: وجعل على أبصارهم غشاوة، ويحتمل أن يكون نصبها على الإتباع على محل: ﴿وعلى سمعهم﴾ كقوله تعالى: ﴿وحور عين﴾ وقول الشاعر:
عَلَفْتُها [¬٣] تبنًا وماء باردًا … حتى شَتَتْ هَمَّالةً عيناها
وقال [¬٤] الآخر:
ورأيت زَوْجَكِ في الوغى … متقلِّدًا سيفًا ورُمْحا
تقديره: وسقيتها ماء باردًا، ومعتقلًا رمحًا.
لما تقدّم وصف المؤمنين في صدر السورة بأربع آيات، ثم عرف حال الكافرين بهاتين الآيتين، شرع تعالى في بيان حال المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ولما كان أمرهم يشتبه على كثير من الناس أطنب في ذكرهم بصفات متعدّدة، كلٌّ منها نفاق، كما أنزل سورة براءة فيهم، وسورة المنافقين فيهم، وذكرهم في سورة النور وغيرها من السور؛ تعريفًا لأحوالهم لتجتنب، ويجتنب من تلبس بها أيضًا فقال تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)
النفاق: هو إظهار الخير وإسرار الشر، وهو أنواع: اعتقادي: وهو الذي يخلد صاحبه في النار، وعملي: وهو من أكبر الذنوب، كما سيأتي تفصيله في موضعه، إن شاء الله تعالى، وهذا
Juz 1, halaman 281 ›
كما قال ابن جريج: المنافق يخالف قوله فعله، وسره علانيته، ومدخله مخرجه، ومشهده مَغِيبهُ.
وإنما نزلت صفات المنافقين في السور المدنية؛ لأنّ مكة لم يكن فيها نفاق بل كان خلافه، من الناس من كان يظهر الكفر مُسْتَكْرَهًا وهو في الباطن مؤمن، فلما هاجر رسول الله صلى الله تعالى [¬١] عليه وعلى آله [¬٢] وسلم إلى المدينة، وكان بها الأنصار من الأوس والخزرج، وكانوا في جاهليتهم يعبدون الأصنام، على طريقة مشركي العرب، وبها اليهود من أهل الكتاب على طريقة أسلافهم، وكانوا ثلاث قبائل؛ بنو قينقاع حلفاء الخزرج، وبنو النضير وبنو قريظة حلفاء الأوس، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة، وأسلم من أسلم من الأنصار من قبيلتي الأوس والخزرج، وقل من أسلم من اليهود إلا عبد الله بن سلام ﵁، ولم يكن إذ ذاك نفاق أيضًا؛ لأنه لم يكن للمسلمين بعد شوكة تخاف، بل قد كان ﵊ وَادَعَ اليهود وقبائل كثيرة من أحياء العرب حوالي المدينة، فلما كانت وقعة بدر العظمى وأظهر الله كلمته وأعلى [¬٣] الإسلام وأهله، قال عبد الله بن أبي ابن سلول، وكان رأسًا في المدينة، وهو من الخزرج وكان سيد الطائفتين في الجاهلية، وكانوا قد عزموا على أن يملكوه عليهم، فجاءهم الخيرُ وأسلموا واشتغلوا عنه، فبقي في نفسه من الإسلام وأهله، فلما كانت وقعة بدر- قال: هذا أمر قد تَوَجَّه. فأظهر الدخول في الإسلام، ودخل معه طوائف ممن هو على طريقته ونِحلته وآخرون من أهل الكتاب، فمن ثَمَّ وجد النفاق في أهل المدينة ومن حولها من الأعراب، فأمّا المهاجرون فلم يكن فيهم أحد [نافق]، لأنه لم يكن أحد يهاجر مُكْرَهًا، بل يهاجر فيترك [¬٤] ماله وولده وأرضه رغبة فيما عند الله في الدار الآخرة.
قال محمد بن إسحاق: حدّثني محمد بن أبي محمد (¬١٢٣)، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ يعني المنافقين من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم. وكذا فسرها بالمنافقين [من الأوس والخزرج] [¬٥] أبو العالية والحسن وقتادة والسدّي.
ولهذا نبَّه الله سبحانه على صفات المنافقين؛ لئلا يغتر بظواهر [¬٦] أمرهم المؤمنون، فيقع بذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم، ومن اعتقاد إيمانهم، وهم كفار في نفس الأمر، وهذا من المحذورات الكبار أن يظن بأهل الفجور خير، فقال تعالى: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ أي يقولون ذلك قولًا ليس وراءه شيء آخر، كما قال تعالى:
Juz 1, halaman 282 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.