بأنه استحوذ عليها وملك أمرها، حتى لم يعد فيها استعداد لغيره، وكان فعل الله ذلك عدلا فيمن خذله وأمدّ له في ضلاله، إذ لم يمنعه حقا وجب له، فتزول صفة العدل، وإنما منعهم ما كان له أن يتفضل به عليهم، لا ما وجب لهم.
ويوضحه آيتان أخريان هما: ﴿وَقالُوا: قُلُوبُنا غُلْفٌ، بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ، فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة ٨٨/ ٢]، فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون، ﴿وَقالُوا: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ، وَفِي آذانِنا وَقْرٌ، وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت ٤/ ٤١ - ٥]، فهم باستكبارهم وعنادهم لا يخرجون عن سلطان الله، وأن الله سبحانه خالق كل شيء من الهدى والضلال، والكفر والإيمان، والإنسان هو الذي يختار أحد المنهجين.
﴿وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ المتبادر أن يقال: «وما آمنوا» ليطابق قوله ﴿مَنْ يَقُولُ آمَنّا﴾ ولكنه عدل عن الفعل إلى الاسم، لإخراجهم من عداد المؤمنين، وأكده بالباء مبالغة في تكذيبهم.
﴿يُخادِعُونَ اللهَ﴾ استعارة تمثيلية، شبه حالهم مع ربهم في إظهار الإيمان وإخفاء الكفر بحال رعية تخادع سلطانها، وأستعير المشبه به للمشبه بطريق الاستعارة.
﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ كناية، كنّى بالمرض في القلب عن النفاق، لأن المرض فساد للجسد، والنفاق فساد للقلب.
المفردات اللغوية:
﴿بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ هو من وقت الحشر إلى ما لا يتناهى، أو إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار. والنفاق: اسم شرعي جعل سمة لمن يظهر الإيمان ويسرّ الكفر.
﴿يُخادِعُونَ﴾ يعملون عمل المخادع، والخداع: صرف الغير عما يقصده بحيلة، والمراد هنا:
هؤلاء هم الصنف الثالث من الناس، وقد وصف الله حال الذين كفروا في آيتين، وحال المنافقين في ثلاث عشرة آية، نعى عليهم فيها خبثهم ومكرهم، وفضحهم، واستهزأ بهم، وتهكم بفعلهم، ودعاهم صمّا بكما عميا، وضرب لهم الأمثال، فهم أشدّ خطرا على الإسلام من الكفار صراحة.
ولا تقتصر أوصاف المنافقين على المعاصرين للنّبي ﷺ فقط، بل في كل عصر إذا وجدت صفاتهم.
وأول هذه الصفات النطق بالإيمان باللسان، وامتلاء القلب بالكفر والضلال. وكان عبد الله بن أبيّ بن سلول زعيم المنافقين في عصر النّبوة، وكان
أكثر أصحابه من اليهود، وكانوا يدّعون الإيمان، فردّ الله عليهم دعواهم، وأنهم في الحقيقة ليسوا بمؤمنين، وإن تظاهروا به، ولا شكّ أنهم بهذا في صورة المخادعين لله، والله يعلم عنهم ذلك، فهم أشد ضررا من الكفار، ولهم في الآخرة عذاب أليم بسبب كذبهم في دعواهم الإيمان بالله واليوم الآخر.
ونظرا لقصور عقولهم تصوّروا أنهم يخدعون الله تعالى، وهو منزّه عن ذلك، فإنه لا يخفى عليه شيء، وهذا دليل على أنهم لم يعرفوه، ولو عرفوه لعرفوا أنه لا يخدع، وليس خداعهم إلا وبالا عليهم، والله قادر على كشف أمرهم للمسلمين.
ومع كل ذلك يأمر الله بإجراء أحكام الإسلام عليهم، كأنه يخادعهم، على سبيل المشاكلة والمحاكاة والمشابهة لفعلهم، وكأن المسلمين حيث امتثلوا أمر الله فيهم مخادعون لهم، من باب التشبيه والتمثيل، للإشارة إلى أن المنافقين هم الخادعون المخدوعون.
والصحيح-كما قال ابن العربي (¬١) -أن النّبي ﷺ لم يقتلهم وأعرض عنهم لمصلحة تألف القلوب عليه، ومخافة من سوء المقالة الموجبة للتنفير، لئلا تنفر عنه القلوب، وقد أشار هو ﷺ إلى هذا المعنى،
فقال: «أخاف أن يتحدث الناس أن محمدا ﷺ يقتل أصحابه» وهذا كما كان يعطي الصدقة للمؤلفة قلوبهم، مع علمه بسوء اعتقادهم تألفا لهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
إن النفاق مرض خطير، وإن المنافقين شوكة مؤذية تطعن المجتمع من الداخل، وكان المتبادر إلى الذهن في تقديرنا أن تستأصل شأفة النفاق