الشرح: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ:﴾ الخطاب للنبيّ ﷺ ولكلّ عاقل، والضمير المنصوب عائد على اليهود. ﴿أَحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ أي: فاليهود شديد والحرص على الحياة، ولا يتمنون الموت؛ لمعرفتهم بذنوبهم، وأنّه لا خير لهم عند الله. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ أي: وأحرص من الذين أشركوا، ومشركو العرب لا يعرفون إلا هذه الحياة، ولا علم لهم عن الآخرة، وكذلك المجوس، والهندوس الذين يقولون بتناسخ الأرواح، ولا حساب، ولا جزاء. والغرض من ذلك توبيخ اليهود، وتقريعهم؛ لأنّهم يعلمون: أن الحريص الشّحيح لا يدخل الجنّة، والمشركون لا يعلمون ذلك، بل ولا يعتقدون بجنّة، ولا بنار. هذا؛ والفعل: «حرص» على الشيء، يحرص، إذا رغب فيه رغبة شديدة والحرص: الجشع، والطمع. ورجل حريص: شديد البخل، وشديد المحافظة على المال. وعن أنس بن مالك-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ: «أربعة من الشّقاء:
اسعد بمالك في الحياة فإنّما... يبقى خلافك مصلح أو مفسد
فإذا جمعت لمفسد لم يغنه... وأخو الصّلاح قليله يتزيّد
وقال آخر: [البسيط]
يفنى الحريص بجمع المال مدّته... وللحوادث والورّاث ما يدع
كدودة القزّ ما تبنيه يهدمها... وغيرها بالّذي تبنيه ينتفع
﴿يَوَدُّ:﴾ يحب، ويتمنى. وأصله: يودد، والماضي: ودّ، والودّ: الحب، وهو بتثليث الواو، والودود: الكثير الحب. ﴿أَحَدُهُمْ:﴾ (أحد) أصله: وحد؛ لأنه من الوحدة، فأبدلت الواو همزة، وهذا قليل في المفتوحة، وإنّما يحسن في المضمومة، والمكسورة: مثل قولهم: في وجوه: أجوه، وفي وسادة: إسادة، وهو مرادف للواحد في موضعين: أحدهما: وصف الباري
جلّ في علاه. فيقال: هو الواحد وهو الأحد، والثاني: أسماء العدد: فيقال: أحد وعشرون، وواحد عشرون، وفي غير هذين الموضعين يفرق بينهما في الاستعمال، فلا يستعمل أحد إلا في النفي، وهو كثير في الكلام، أو في الإثبات مضافا كما في هذه الآية، بخلاف الواحد، وقولهم: ما في الدار أحد، هو اسم لمن يعقل، ويستوي فيه الواحد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، قال تعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ الآية رقم [٣٢] من سورة (الأحزاب)، وقال جلّ ذكره: ﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ الآية رقم [٤٧] من سورة (الحاقة)، وإن أردت الزيادة فانظر الآية رقم [٢٦] من سورة (الجن) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
﴿يُعَمَّرُ:﴾ يعيش. ﴿أَلْفَ سَنَةٍ:﴾ كناية عن كثرة العدد، فليس المراد خصوص هذا العدد، وأصل ﴿سَنَةٍ:﴾ سنو، وتصغيرها سنيّة، وسنيهة، وجمعها: سنون بضم السين وكسرها، ويجمع على سنوات، وسنهات، السنة اثنا عشر شهرا، كما يطلق اسم الحول، والعام على هذه الأشهر.
﴿بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ:﴾ بمبعده، وفعله يكون لازما، ومتعديا، قال الشاعر في اللاّزم: [الطويل]
خليليّ ما بال الدّجى يتزحزح... وما بال ضوء الصّبح لا يتوضّح
وقال ذو الرّمّة في المتعدّي: [البسيط]
يا قابض الروح عن جسم عصى زمنا... وغافر الذّنب زحزحني عن النّار
وروى النّسائيّ عن أبي هريرة-﵁-قال: «من صام يوما في سبيل الله زحزح الله وجهه عن النّار سبعين خريفا». هذا؛ واختلف في إرجاع الضمير على وجوه: أحدها: أنه عائد على (أحد) والثاني: أنه ضمير «التعمير» وقد دلّ عليه: ﴿لَوْ يُعَمَّرُ﴾. وقال الفارسي موافقا الكوفيين في قولهم: إنه ضمير الشأن: والبصريّون يأبون تفسيره بالمفرد، بل لا بدّ من جملة مصرّح بجزءيها، سالمة من حرف جرّ.
﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ أي: بما يعمل هؤلاء الذين ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾.
هذا؛ وقال العلماء: وصف الله-﷿-نفسه بأنه ﴿بَصِيرٌ﴾ على معنى: عالم بخفيات الأمور، والبصير في كلام العرب: العالم بالشّيء، الخبير به.
الإعراب: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف تقديره: والله. والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم، واللام واقعة في جواب القسم. (تجدنهم):
فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «أنت» والهاء مفعول به أوّل. ﴿أَحْرَصَ:﴾ مفعول به ثان، و (﴿أَحْرَصَ﴾) مضاف، والناس مضاف إليه. ﴿عَلى حَياةٍ:﴾ متعلقان ب ﴿أَحْرَصَ﴾.
هذا؛ ويجوز في اللغة: «أحرصي الناس» على حدّ: ﴿أَكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ في سورة (الأنعام) رقم [١٢٣] وانظر حاشية الجمل، وجملة (﴿لَتَجِدَنَّهُمْ﴾) جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه
كلام مستأنف. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف دلّ عليه ما قبله؛ إذ التقدير: وأحرص من الذين. وذكر أبو البقاء وجها آخر، وهو أنّه على الاستئناف، وفحواه: أنّ الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والمبتدأ المؤخر محذوف، التقدير: ومن الذين أشركوا قوم يودّ أحدهم، وهو وجه ضعيف. ﴿أَشْرَكُوا:﴾ فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها.
﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ:﴾ مضارع، وفاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، وجوز أن تكون حالا من الهاء في:
(﴿لَتَجِدَنَّهُمْ﴾) وقيل: مفسّرة للحرص، وهذا على تعليق الجار والمجرور ب ﴿أَحْرَصَ﴾ محذوفا، وأما على تعليقهما بمحذوف خبر مقدم؛ فالجملة في محل رفع صفة «قوم» المحذوف، والمعتبر مبتدأ مؤخرا. ﴿لَوْ:﴾ حرف مصدري. ﴿يُعَمَّرُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿أَحَدُهُمْ﴾. ﴿أَلْفَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و ﴿أَلْفَ﴾ مضاف، و ﴿سَنَةٍ﴾ مضاف إليه، و ﴿لَوْ﴾ والفعل ﴿يُعَمَّرُ﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به.
﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال، أو الاستئناف. (﴿ما﴾): نافية حجازية تعمل عمل «ليس».
﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم (ما). ﴿بِمُزَحْزِحِهِ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (مزحزحه): خبر منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) مهملة فالضمير يكون مبتدأ، والباء زائدة في خبره، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر الميمي لمفعوله. ﴿أَنْ يُعَمَّرَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ ونائب الفاعل يعود إلى ﴿أَحَدُهُمْ﴾ أيضا، والمصدر المؤوّل من الفعل، وناصبه في محل رفع فاعل: (مزحزحه)، وهذا على اعتبار الضمير عائدا على ﴿أَحَدُهُمْ﴾ وأما على اعتباره ضمير «التّعمير» فالمصدر المؤول بدل منه؛ بدل ظاهر من مضمر، والجملة الاسمية: (﴿ما هُوَ﴾) في محل نصب حال من ﴿أَحَدُهُمْ﴾ على الوجه الأول في الضمير، ومستأنفة لا محل لها على الوجه الثاني في الضمير، وهو أقوى من الحال.
﴿وَاللهُ بَصِيرٌ:﴾ مبتدأ وخبر. ﴿بِما﴾ متعلقان ب ﴿بَصِيرٌ؛﴾ لأنه صيغة مبالغة، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء.
﴿يَعْمَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء يعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جرّ بالباء، التقدير: بعملهم، والجملة الاسمية: (الله بصير) في محل نصب حال من الضمير المنصوب في (﴿لَتَجِدَنَّهُمْ﴾) أو هي مستأنفة، وهو أولى.