فإن قلت: لم قال: (قُرَّةَ أَعْيُنٍ) فنكر وقلل؟ قلت: أما التنكير فلأجل تنكير القرّة، لأن المضاف لا سبيل إلى تنكيره إلا بتنكير المضاف إليه، كأنه قيل: هب لنا منهم سرورا وفرحا. وإنما قيل (أَعْيُنٍ) دون عيون، لأنه أراد أعين المتقين، وهي قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم، قال الله تعالى: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ) [سبأ: ١٣]، ويجوز أن يقال في تنكير (أَعْيُنٍ): إنها أعين خاصة، وهي أعين المتقين.
قوله: (ويجوز أن يقال في تنكير ﴿أَعْيُنٍ﴾، عطفٌ على قوله: "أما التنكير فلأجل تنكير القرة"، وفي هذا العطف على الجواب بعد السؤال الثاني نوع بلاغة، فإنه لما أجاب عن سؤال التنكير بقوله: أما التنكير فلأجل تنكير القرة فهم أن المضاف تابعٌ للمضاف إليه، وكان المراد من التنكير في المضاف التفخيم والتعظيم، فنكر المضاف إليه لذلك، أي: سروراً لا يكتنه كنهه. ولما أجاب عن سؤال البناء وأن "أعين" جمعٌ بنيت للقلة ليؤذن به إلى تقليل صاحبها وهم المتقون، قال: "إنها أعينٌ خاصة"، والتنكير تنكير التقليل، ليناسب البناء في التقليل، كأنه قرة أعين الشكور من عباد الله.
الانتصاف: والظاهر أن المحكي كلام كل واحدٍ من المتقين، أي: يقول كل واحدٍ منهم: اجعل لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، وهذا أحسن من تأويله، فإن المتقين، وإن كانوا قليلين، فهم كثيرون في أنفسهم، وقلتهم بالنسبة إلى غيرهم. والمعتبر في جمع القلة أن يكون الشيء قليلاً في نفسه لا بالنسبة.
قوله: (وهي العلالي في الجنة)، الجوهري: العلية: الغرفة، والجمع: العلالي، وهو فعليةٌ مثل مريقة، وأصله: عليوةٌ، فأبدلت الواو ياءً وأدغمت، وهي من: علوت.
على الجنس، والدليل على ذلك: قوله: (وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ) [سبأ: ٣٧]، وقراءة من قرأ: (في الغرفة). (بِما صَبَرُوا): بصبرهم على الطاعات، وعن الشهوات، وعلى أذى الكفار ومجاهدتهم، وعلى الفقر وغير ذلك.
قوله: (والدليل على ذلك)، أي: على أن المراد بـ "الغرفة" الجنس: مجيئها في "سبأ" جمعاً وإفراداً، فإن حمزة أفرد بها مفرداً، والجماعة أجمعوا على جمعها، فدل قراءة الجمع على أن المراد من الإفراد الجنس ليتوافق القراءتان، ويمكن أن يقال: القرينة هي إثبات الغرفة الواحدة للجماعة. وأما فائدة العدول في هذا المقام فلاتحاد ترتب الحكم على الأوصاف المشتركة بخلافه في "سبأ"، فإنه مرتبٌ على الإيمان والعمل الصالح مطلقاً. ولا ارتياب في التفاوت في الأعمال، فناسب الجمع ليتفاوت الجزاء بحسب العاملين. وأما إفراد حمزة فيها فمن باب حمل المطلق على المقيد.
قوله: (وإطلاقه لأجل الشياع في كل مصبورٍ عليه)، يعني: لم يؤت بمتعلق صبور لئلا يقتصر عليه، فيتناول كل مصبورٍ عليه إلى أن يحاط به.
فإن قلت: قد تقرر أن اسم الإشارة إذا عقب به من أجرى عليه الأوصاف دل على أن المذكور قبله جديرٌ بما بعده لأجل تلك الأوصاف الجارية عليه، فإذن السبب في أنهم يجزون الغرفة تلك الأوصاف التي أجريت على عباد الرحمن، فكان من حق الظاهر أن يجاء بدل ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾: بما فعلوا كناية عن تلك المذكورات بأسرها، فما فائدة العدول؟ قلت: الإيذان بأن ملاك العبادات الصبر، وأن حبس النفس على طاعة اله هي الطلبة، وقطعها عن مشتهياتها هي المرام.
الراغب: الصبر: حبس النفس عما يقتضيه الهوى، وتختلف مواقعه وربما يخالف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعة. فإن كان في مصيبةٍ فيقال: صبرٌ لا غير، وضده الجزع،
وقرئ: (ويُلَقَّوْنَ)، كقوله تعالى: (وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً) [الإنسان: ١١]، و (يَلْقَوْن)، كقوله: و (يَلْقَ أَثاماً) [الفرقان: ٦٨]. والتحية: دعاء بالتعمير. والسلام: دعاء بالسلامة، يعني: أن الملائكة يحيونهم ويسلمون عليهم. أو يحيى بعضهم بعضا ويسلم عليه أو يعطون التبقية والتخليد مع السلامة من كل آفة. اللهم وفقنا لطاعتك، واجعلنا مع أهل رحمتك، وارزقنا مما ترزقهم في دار رضوانك.
وإن كان في محاربةٍ سمي شجاعةً، وضدها الجبن، وإن كان في نائبةٍ مضجرة سمي صاحبه رحيب الصدر، وضده ضيق الصدر، وإن كان في إمساك النفس عن الفضولات سمي قناعةً وعفة، وضدها الحرص والشره، وإن كان في إمساك الكلام في الضمير سمي كتماناً، وضده الإفشاء وعلى هذا يقاس جميع الفضائل من الأخلاق ورذائلها.
قوله: (وقرئ: ﴿وَيُلَقَّوْنَ﴾)، بالتشديد، كلهم إلا أبا بكرٍ وحمزة والكسائي، فإنهم قرؤوا: "ويلقون" بالتخفيف.
قوله: (أو يعطون التبقية)، عطفٌ على قوله: "إن الملائكة يحيونهم"، هذان الوجهان مبنيان على القراءتين على تشديد ﴿وَيُلَقَّوْنَ﴾ وتخفيفه، فعلى التشديد المناسب أن يكون التحية بمعنى الدعاء بالتعمير، أي: تتلقاهم الملائكة ويحيونهم ويسلمون عليهم، وعلى التخفيف التحية بمعنى التبقية والتخليد، أي: يلقون البقاء والتخليد مع السلامة، لكن فسر المصنف يلقون بقوله: "يعطون، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١]، أي: أعطاهم، وفي بعض الحواشي: التحية مشتقةٌ من الحياة، وهي التبقية في الحقيقة، ومنه قولنا: التحيات لله، أي: التبقيات له تعالى.