لفرعون وبنى إسرائيل، وقد ثبت تاريخيًا أنه لم يكن لبنى إسرائيل ميراث لأرض مصر الأصلية ولا حكم فيها، بل الذي ثبت هو خروجهم منها إلى أرض فلسطين، فلذلك يكون المراد من ميراثهم الأرض إسكانهم أرض فلسطين، وجعلهم أصحاب ملك فيها كأنها ميراث لهم، أو أنهما كانت متابعة لحكم فرعون فأورثهم الله إياها منه بتسليطهم عليها وقتئذ، وقد عاقبهم الله بنزع سلطانهم عليها حين أفسدوا في الأرض، كما أشارت إليه سورة الإسراء وكما ثبت عندهم في سفر الخروج.
ومعنى الآيتين: ونريد بإرسال موسي ﵇ أن ننعم علي بني إسرائيل الذين استضعفهم فرعون وقومه في أرض مصر، وأن ننقلهم من الشرك إلى عبادة الله - تعالى - ونجعلهم بذلك أئمة في الدين يقتدى بهم المشركون من حولهم، ونجعلهم مستقرين في أرض فلسطين استقرارا يشبه الميراث، وأن نمكن لهم في الأرض التي أسكناهم فيها ونسلطهم عليها فتكون تحت سلطانهم وحكمهم ما داموا عاملين بشرعنا، وأن نرى فرعون ووزيره هامان وجنودهما ما كانوا يخافونه من الهلاك على يد رجل من بني إسرائيل، حيث أغرقناهم في اليم أجمعين، وسيأتي تفصيل ذلك قرآنا وتفسيرا إن شاء الله تعالى.
﴿وَأَوْحَيْنَا﴾: وألهمنا. ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ اليم: البحر. والمقصود به هنا: النيل، وكل نهر عظيم يطلق عليه بحر لاستبحاره. ﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾ المراد بآله: من ينسبون إليه ولو بالخدمة. ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ أي: فتكون عاقبة أمره أن يكون لهم معاديًا، ومصدر حزن لهم. ﴿خَاطِئِينَ﴾: اسم فاعل من خطئ بمعنى تعمد الذنب، وللكلام بقية في التفسير. ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾ أي: سكون وطمأنينة، يقال: قرت عينه، تقر - بفتح القاف وضمها - قرة وقُرَّة: إذا سكنت بعد حيرة، أو بردت وانقطع بكاؤها.
بين الله في الآية السابقة أنه - تعالى - يريد أن ينعم على بني إسرائيل بالحرية بعد استعبادهم ويمكن لهم في الأرض، ويهلك فرعون وهامان وجنودهما على أيديهم دون أن ينفعهم حذرهم، وجاءت هذه الآية وما بعدها تحكى قصة الإنعام على الأولين وإهلاك الآخرين.
واختلف العلماء في تفسير المراد من الوحى إلى أُم موسى، فقال قتادة: أنه بمعنى الإلهام، وقال جماعة: إنه كان خطابًا مناميًّا كسائر الرؤى الصادقة، وقال آخرون: إنه كان يملك، ولا يثبت لها بهذا نبوة؛ فإن النبوة لا تكون في النساء بالإجماع، وقد جاء تكليم الملائكة لغير الأنبياء في قصة الأبرص والأقرع والأعمى من بني إسرائيل حيث أنزل إليهم ملكًا يسألهم أمنياتهم، فسألوه أن يكشف الله ما بهم ويحسن إليهم، فأجابهم الله إلى ما سألوه، فبخل الأولان، وكان الأخير سخيا فيما أعطاه الله فرضى الله عنه، وقد روى حديثهم البخاري ومسلم وغيرهما (¬١).
وأخرج البخاري في صحيحه (¬١) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لقد كان فيما كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمتى منهم أحد فعمر". وقد سلمت الملائكة على عمران بن حصين ولم يكن نبيًّا - نقله القرطبي.
ويقول مجاهد: كان الإيحاء بالرضاعة والإلقاء في اليم عند الخوف عليه - كان ذلك - قبل الولادة، وقال السدى: لما ولدت أم موسى أمرت أن ترضعه وتصنع به ما في الآية، وهذا وذاك من باب الاجتهاد.
ويروى أنها صنعت له تابوتا من نبات البردي، وقَيَّرَتْهُ بالقار، فلما خافت عليه ألقته في النيل، وكان فرعون قد استشار جلساءه فيما يصنعه ببنى إسرائيل، فأشاروا عليه بقتل مواليدهم من الذكور ففعل، روى عن ابن عباس أنه لما استحرَّ القتل فيهم قالوا: إن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم والصغار يذبحون، فتحرمون من خدمتهم، وتقومون بما كانوا يقومون به، فاقتلوا عامًا كل مولود ذكر، ودعوهم عاما فلا تقتلوا منهم أحدا، فيشب الصغار مكان من ماتوا من الكبار، فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون فتخافوا مكاثرتهم إياكم، وكانوا قد كثروا بمصر واستطالوا على الناس وعملوا بالمعاصي، فسلط الله القبط عليهم، فأجمعوا أمرهم على قتل ذراريِّهم الذكور عاما وتركهم عاما، فحملت أُم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدته علانية آمنة، فلما كان من قابل حملت بموسى ﵇ فكان من أمره ما قصَّ الله - تعالى -.
وقد اشتملت هذه الآية على أعلى صور البلاغة، يروى أن امرأة أنشدت شعرًا فمدح الأصمعى فصاحتها وبلاغتها، فقالت: أبعد قوله - تعالى -: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ … ﴾ وقد جمعت بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين.
وتفصيل ذلك: أن ﴿أَوْحَيْنَا﴾ و ﴿خِفْتِ﴾ خبران، و ﴿أَرْضِعِيهِ﴾ و ﴿فَأَلْقِيهِ﴾ أمران، ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾ نهيان، و ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ بشارتان، فما أعظم وأبلغ القرآن، إذ يجمع كل ذلك في هذه الآية القصيرة.