قوله: (لَجُّوا)، لَجَّ: مِنْ باب عَلِمَ، لَجَاجًا ولَجَاجَةً: تَمادي في الخُصومةِ، والَّجَّةُ بالفتح: الأصواتُ، وفي أمثالهم: لَجَّ فلانٌ حتّى حَجَّ؛ أي: غَلَب.
قوله: (الغَرَضُ تَشبيه ما اتَّخذُوه مُتَّكَلاً ومُتَعمدًا في دينهم وتَولَّوْهُ من دُون الله بما هو مَثَلٌ عند النّاسِ في الوَهْن وضَعْفِ القُوَّةِ) اعلَمْ أنَّ الغَرضَ في التَّشبيه في الأَغلَب يكونُ عائدًا إلى المُشَبَّه، ويكون ذلك تَقويةَ شَانِه في نَفْس السامِعِ وزيادةَ تَقريرِه عندَه، كما إذا كنتَ معَ صاحبِكَ في تقريرِ أنَّه لا يحصلُ مِن سَعْيه على طائلٍ قلتَ كما قال:
فأَصبحتُ من ليلى الغَداةَ كقابضٍ … على الماءِ خانَتْهُ فُروجُ الأَصابِعِ
ولمّا كانت حالُ الآلهةِ التي جَعلَها الكُفّارُ أندادًا لله لا حالَ أحقَرَ منها وأقلَّ، جُعل بيتُ العنكبوتِ مثلاً لها في الضَّعْفِ والوَهْنِ، وفي هذا التَّقرير إشارةٌ إلى تقدير مضافٍ في كلام المصنِّفِ عند المُشبَّه؛ أي: تَشبيه حالِ ما اتَّخذوه مُتَّكلاً، وعند المشبَّهِ به؛ أي: بحال ما هو مَثَلٌ عند الناسِ، وذِكْرُ المَثَلَينِ في التَّنزيل أيضًا يُوجبُ هذا الإضمارَ.
قوله: (ألا تَرى إلى مَقْطَعِ التَّشبيهِ) أي: كيف دلَّ قولُه: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ﴾ على أنَّ الغَرَضَ مِنَ التَّشبيه ما ذَكَرْنا.
وكلامُه يَجمعُ أمورًا:
أحدها: أنْ يكونَ قولُه: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ﴾ كالتَّذييلِ للتَّشبيه كما يُفهَمُ مِنَ الوجه الأوَّلِ مِنَ الوُجوهِ المَذكورةِ في جوابِ ما معنى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
وذلك أنَّ التَّشبيهَ عندَ قولِه: ﴿كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ ثُمَّ ذُيِّل بقولِه: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ﴾ كما مَرَّ في قولهم: فلانٌ يَنطِقُ بالحقِّ، والحقُّ أَبْلَجُ. وحَدَثتِ الحوادثُ، والحَوادثُ جَمَّةٌ. فالتَّشبيهُ حينئذٍ يَحتملُ أن يكون مركَّبًا عقليًّا، إذا جُعِلَ الوجهُ الوَهْنَ كما أشار إليه في قوله: ((بما هو مَثَلٌ عند النّاسِ في الوَهْنِ))؛ لأنَّه هو الزُّبدةُ والخُلاصةُ المأخوذةُ مِنَ المجموعِ، أو وَهْمِيًّا بأنْ يكونَ الوجهُ مُنْتَزَعًا من عدَّة أمورٍ مُتوهَّمة، وفي قوله: ((وأنَّ أَمْرَ دينهِم بالغٌ إلى هذه الغايةِ مِنَ الوَهْن)) إيماءٌ إليه.
وثانيها: أن يكونَ التَّمثيلُ بجُملته كالمقدِّمة الأولى، ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ﴾ كالثانية، والنتيجةُ محذوفةٌ لشُهرتِها، ولذلك أتى بالفاء، وفي قولِه: ((فقد تبيَّن أن دِينَهم أَوْهَنُ الأديانِ))، فالكلامُ متضمِّنٌ للكناية الإيمائيَّةِ.
المشبَّهِ والمُشبَّهِ به كالتَّسَبُّبِ والتَّوطئةِ لِذِكْرها؛ لأنَّ الاستعارةَ مسبوقةٌ بالتَّشبيه، وإليه الإشارةُ بقوله: ((أو أخرجَ الكلامَ بعدَ تَصْحيحِ التَّشبيه مخرجَ المَجازِ))، فعلى هذا الجملةُ أيضًا تذييلٌ مقرِّر لمعنى المُشبَّهِ كما كان مُقرَّرًا في الأوَّلِ للمُشبَّه به، نَحوُه التَّجريدُ والتَّرشيحُ في الاستعارةِ.
ورابعها: أن يكونَ من تتمَّة التَّشبيهِ، داخلاً في حَيِّز المُشبَّه به حالاً منَ المنصوبِ، والعاملُ ﴿اتَّخَذَتْ﴾، أو مِنَ المرفوعِ المُستَكِنِّ الراجعِ إلى العنكبوتِ، وعلى التَّقديرَينِ وُضِعَ موضعَ الرّاجعِ في الجُملة المُظْهَرِ، واللاَّمُ في ﴿الْبُيُوتِ﴾ استغراقيَّةٌ، يشهدُ له قولُه: ((إذا استَقْرَيْتَها بيتًا بيتًا))، والتَّشبيهُ حينئذٍ إمّا مِنَ التَّشبيهاتِ المُفرَّقة أو التَّمثيليَّةِ التي يكون وجهُها المُشبَّهُ مُنْتَزَعًا مِنَ الأمور المُتعدِّدة الوَهْميَّةِ، ولذلك قال: ((بالإضافة إلى رَجلٍ يبني بيتًا بآجُرِّ وجِصٍّ)) فالعنكبوتُ التي تَتَّخِذُ بيتًا في مُقابِلِ الكافرِ الذي يَعْبُدُ الوَثَنَ، والرَّجُلُ الذي يبني بيتًا بآجُرٍّ وجِصٍّ في مُقابِلِ المؤمنِ الذي يَعبُدُ اللهَ، وإنَّ أَوْهَنَ البيوتِ بيتًا بَيتًا وهو بيتُ العنكبوتِ، مقابلٌ لضَعْفِ دِين عَبَدةِ الأوثانِ دِينًا دِينًا، وإنَّ أقوى البيوتِ بيتًا بيتًا هو البيتُ المبنيُّ بالآجُرِّ والجَصِّ، مقابلٌ لقوَّةِ دين عِبادِ الرَّحمنِ دِينًا دِينًا، وكلُّ هذه التَّقريراتِ المُلتَزِمَةِ إدخالَ هذه الفَقْرَةِ في حَيِّزِ التَّشبيهِ.
وأما قولُه: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فإيغالٌ لأنَّ مَن وَقَف على قُبح القَبيحِ ربَّما أَقلَع عنه. وعن بغضِهم: الوَقْفُ على قولِه: ﴿الْعَنكَبُوتِ﴾ لازِمٌ، وهو قولُ الأَخفَشِ؛ لأنَّ جوابَ ((لو)) محذوفٌ، تقديرُه: لو كانوا يَعلمون وَهْنَ دِينِ عَبَدةِ الأوثانِ لَمَا اتَّخذوها أولياءَ، ولو وُصِل صار وَهْنُ بيتِ العنكبوت معلَّقًا بعِلْمِهم، وهو مطلَقٌ، والجملةُ لا تَصْلُح صفةً للمعرفةِ.
وعن الفَرّاء: إنَّ الموصولَ محذوفٌ كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارَا﴾ [الجمعة: ٥]؛ أي: الذي يَحملُ الأسفارَ؛ وعلى هذا لا يُوقَفُ، وهو اختيارُ ابنِ دَرَسْتَوَيه في حَذْف المَوصُولِ.